Yahoo!


أيَّتها النفس أجملي جزعاً

إن الذي تخشين قد وقعا
(أوس بن حجر)

 677dao

" إن المعاناة في الثورة تجربة جماعية ( أنا أتمرّد، إذن نحن موجودون)"

                                                 ألبير كامو

ايها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسمائكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و أنصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء
ايها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة اخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص..و انصرفوا
وعلينا ،نحن، ان نحرس ورد الشهداء
و علينا ،نحن، ان نحيا كما نحن نشاء
ايها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا اينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في ارضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى اجسادنا
و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. او خجل
فخذوا الماضي،اذا شئتم الى سوق التحف
و اعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم
على صحن خزف
لنا ما ليس يرضيكم ،لنا المستقبل ولنا في ارضنا ما نعمل
ايها المارون بين الكلمات العابره
كدسوا اوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
واعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
او الى توقيت موسيقى مسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف و شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان او للذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن ان تنصرفوا
ولتموتوا اينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا
فلنا في ارضنا مانعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر،والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا...و الاخرة
فاخرجوا من ارضنا
من برنا ..من بحرنا
من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
من كل شيء،واخرجوا
من مفردات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة!..

عابرون في كلام عابر، محمود درويش


في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيله… الأديب والفنان والإذاعي الشَّامل داوود يعقوب .. كما عرفه كبار شعراء وكتاب فلسطين

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 18 تشرين الأول 2009 الساعة: 22:33 م

الشاعر أحمد دحبور : أبكى الأمة مرتين… وأبكاني ثلاثاً..
الشاعر خالد أبو خالد : محمول في قلوبنا على عربة مدفع ..
الروائي يحيى يخلف : لنفكِّر بأشجار الزيتون..
الناقد الأدبي يوسف سامي اليوسف : أحقاً غاب وجهك..


بقلم : أوس داوود يعقوب

( إذا كان هناك (فنَّان شامل) يُمثِّل ويُغنّي ويرقص، وربما يكتب ويُخرج، فهناك أيضا (الإذاعي الشَّامل) وهذا ما تقوله سيرة داوود يعقوب؛ زميلنا الذي فارقنا مؤخراً، عن حياة قصيرة لامعة مضيئة كالشِّهاب..
لقد عرفت الإذاعة، وعرف المستمعون داوود يعقوب سيداً للمنبر، سواء أكان ذلك في استوديو الأخبار والتعليق السياسي المغلق، أم في الميادين المفتوحة للنَّقل الإذاعي الخارجي، خصوصاً في أيام الوطن المشهودة، أي أعيادنا القومية.. ولكنَّ طموح داوود كان أكبر وأكبر، وهكذا حقَّق شخصية (الإذاعي الشَّامل) دون أن يهدف طبعاً إلى صكِّ مثل هذا التعبير..)


الإعلامي الفلسطيني فايز قنديل


في ساعات الصَّباح الأولى من يوم الجمعة 17/10/1986 ودّعنا الأديب والفنَّان والإذاعي الشَّامل داوود يعقوب، ورحل بعد مسيرة عمر امتدت 47 عاماً قضاها في العمل والمثابرة. وقد ظلَّ رغم كُلِّ العذابات، وحرارة اللُّجوء يُيَمِّمُ وجهه نحو فلسطين الَّتي غادرها صبيَّاً صغيراً.
وقد كان الفقيد في كل مجالٍ عملَّ فيه لمسة لا تُمحى ، وكانت رحلة العمر والعطاء حافلة بالانجازات ، فقد كان واحداً من الرَّعيل الأول الَّذين احترفوا العمل الإذاعي في وقت باكر في الساحة الفلسطينية وفي القطر العربي السوري ، وكان من مؤسِّسي المسرح القومي السُّوري ، وواحداً من المبادرين للمشاركة في تأسيس الاتَّحاد العام للكتَّاب والصَّحفيين الفلسطينيين.. من موقعه المؤثِّر في قاعدة شعبنا العربي الفلسطيني ، كما ساهم في تأسيس المسرح الوطني الفلسطيني، ورَئِس أول رحلة قام بها المسرح الوطني الفلسطيني خارج ساحة الصِّراع المباشر، ولعب كذلك دوراً بارزاً في تأسيس اتحاد الفنَّانين الفلسطينيين ، وانتُخب كأول أمين عام له عام 1970.
وفي أيلول (سبتمبر) 1970 شكَّل داوود يعقوب مع رفاقه خلف الميكرفون في إذاعة فلسطين ، من دمشق ، ما يشبه مجلس أركان ، كان له دور هائل في شدِّ معنويات المقاتلين في وجه المجزرة.. وفي التعبئة لمساندتهم في اجتياز المحنة..
ولم تكن موهبة داوود يعقوب، وثقافته الأدبية والفنِّيَّة عُمُوماً، والمسرحيَّة خُصُوصاً، محدودة عند كونه مُمثِّلاً يتقمَّص الشَّخصيَّة ويُجسِّدها في العرض على الخشبة، للمُتلقِّي، على أساس الالتزام بالنَّصِّ المكتوب، كما يُحدِّده الكاتب، أو ما يُمليه المُخرج، كما هو مُعتاد في الأعمال المسرحيَّة والفنِّيَّة، وإنَّما كان لداوود يعقوب باعٌ في التَّأليف والكتابة المسرحيَّة، خاصَّة مسرحيَّات المُمثِّل الواحد، فقد كان بذلك فنَّاناً شاملاً، مُتعدِّد المواهب وواسع الثَّقافة.
كما تنوَّعت رحلته الإذاعية والفنية ، بين التَّمثيل والكتابة والإخراج، في مجال الإذاعة والتِّلفزيون، وكان ذا صَّوت جهوري مُتميِّز ، وصفه الكاتب السُّوري الكبير زكريا تامر، بـ (الصَّوت الفانتوم) ، ذاك الصَّوت العريض المحمول على لُغة سليمة مُتدفِّقة، وإيقاعات تتموَّج بين رقة الوردة وهدير الشَّلال وقد أُطلقَ عليه في الوطن العربي (المُذيع الَّذي لا يُخطئ أبداً في اللُّغة)، حيث تميُّز في مجال الإلقاء والحرص على سلامة اللُّغة، وكانت شخصيَّة الأديب فيه تُغطِّي على شخصيَّة الفنَّان .
وفي بداية عام 1984 بدأت رحلة المرض مع الفقيد، ولكنه لم يستسلم، بل كان أقوى من الظروف، لقد كان يعمل كعادته خلال فترة مرضه، ويذهب كل أسبوع ليسجل برنامجه الإذاعي (حروف ومعان).
وللفقيد داوود يعقوب حضوره في الذَّاكرة.. هذا الحضور الذي  يوازي حضوره يوم كان بيننا.. وسيظلُّ اسمه محفوظاً في سجلات الشرف، مثلما ستظلُّ آثاره المكتوبة والمسموعة من الذكريات التي لن ينال منها النسيان.
واليوم ونحن نحيِّ الذكرى الرابعة والعشرين لرحيله ، نتعرف على صفحات من رحلة العمر والعطاء بقلم ثلة من أصدقاءه و رفاق دربه .. 

- الشاعر أحمد دحبور :


أهو شكل من العبث، أم تعذيب للنَّفس، أن أتعامل معه بوصفه غائباً غياباً أبدياً؟ وأن يكون ما أكتبه له ـ بالتالي ـ نوعاً من الرِّثاء؟ فقد كان أبو يزن صالحاً لأن يكون محوراً في موضوعات شتى: المسرح، الموسيقا، السياسة، الشعر، والإذاعة بطبيعة الحال… ولم يخطر لي لحظة واحدة أنه صالح لموضوع الرثاء…
هذه القامة السمراء، والصَّوت الجوهري العريض، المحمول على لغة سليمة متدفِّقة، وإيقاعات تتموَّج بين براءة الوردة وزأرة الشلال، هذا المبادر السبَّاق، هذا ال… داوود يعقوب، كيف فعلها بأصدقائه ومعارفه ومحبيه، فغافلهم ومضى؟…
ولم لا؟ ألم يفعلها قبله محمد صالحية؟ وكانا ـ بالنسبة إلينا، نحن الفلسطينيين في سورية ـ توءمين، وزهرتين لنسغ واحد؟ فهل كان رحيلهما بالتالي شكلاً من أشكال الاحتجاج على ما يحدث للفلسطينيين في هذا العصر؟
عام 1964، وكان لي من العمر ثمانية عشر عاماً، التقيت أبا يزن لأول مرة.. كنت فرحاً كطفل فاجأه أبوه الفقير بهدية العيد، وأنا أحمل مجموعتي الشعرية البكر "الضواري وعيون الأطفال"، وكنت أبحث عن الشَّاعر كمال ناصر ـ رحمه الله ـ لأقدِّم له نسخة منها، فقيل لي: إنه في إذاعة دمشق..
وعلى باب الإذاعة، كنت أتلعثم بخطواتي وكلماتي، حين فاجأتنني الحراسات هناك بأن دخول الإذاعة ليس أمراً سهلاً، وإذا بشاب طويل، يضع يده على كتفي ويسألني:
ـ فلسطيني؟
ـ نعم فلسطيني..
وبكلمة منه، أدخل الإذاعة بصحبته.. وما أن يدخل مكتبه حتى يطلب لي القهوة، ويسألني مُداعباً ما إذا كنت "ابن" أحمد دحبور (صاحب المجموعة التي أحملها) وبعد أن أُقسم أمامه ـ بكل براءة ـ أنني أحمد دحبور شخصياً، يضحك، ويسكن من روعي، ويقدِّم لي نفسه:
ـ داوود يعقوب..
ولم يكن بحاجة إلى تعريف، فقد كان أشهر المذيعين في دمشق..
وقدَّمني إلى كمال ناصر، ويوسف الخطيب، وخليل خوري، ثم اصطحبني معه إلى البيت لنتناول الغداء.
حارة اليهود؟… كان للاسم رنين غريب ـ كما هو متوقع ـ فأنا أعيش مع أهلي في مدينة حمص التي ليس فيها يهودي واحد، ولما كان الإنسان عدو ما يجهل، فقد كان خيالي يتصوَّر اليهود، ككائنات عجيبة بأنوف مقوَّسة وعيون محرورة كالدم.. ومن أبي يزن تلقّ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محطات من حياة الفنَّان والأديب والإذاعي الشامل داوود يعقوب

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 2 أيلول 2009 الساعة: 03:03 ص

كان من أوائل منْ أسهموا بتأسيس إذاعة فلسطين بدمشق، وكان مؤسِّساً لاتحاد الفنَّانين الفلسطينيِّيْن الَّذي كان أوَّل أمين عامٍّ له.

كانت فلسطين شعلة متوهِّجة في صوته وكانت وردة حنون..


في أيامه الأخيرة كان يحلم بالانتفاضة وبأسوار القدس.. وكما آمن بالفعل الثَّوري المسلح، آمن بأهمية الكلمة المقاتلة..

"غادرت قريتي وأنا في التاسعة من عمري، وما زلت بالنسبة لهذا الموضوع في التاسعة من عمري"، "داوود يعقوب".

في اليوم الثَّاني من أيَّام شهر شباط لسنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف، وُلد داوود يعقوب ببلدة طيرة حيفا بفلسطين المُحتلَّة.


وعلى سهول قريته الخضراء، وبين روابيها ترعرع وتغلغل حبُّ تلك المواطن والمرابع في نفسه، وما إن بلغ سن السادسة حتى حمل كتبه وتوجَّه إلى مدرسة القرية مع العشرات من أقرانه تحدوه رغبة في التحصيل والدرس، وانتقل إلى السَّنة الثَّانية من التَّعليم الابتدائي، وما إن أنهاها حتى اضطُرَّ مع أهله إلى الخروج من بلدته عام النكبة (1948) مع قوافل اللاجئين الفلسطينيين إلى البلدان العربية المجاورة، وكان عمره آنذاك تسع سنوات.

يقول داوود يعقوب: "قد أكون أنا وجيلي غير واعين لأحداث النكبة… إلا أنَّ ما يطبع في ذاكرة الطفل لا يُمحى… لقد شاهدت كثيراً من المآسي وأنا هناك ولعلَّني لم أدرك لها معنى آنئذ…


ولكن عندما عشت النكبة في الخيام… في الفقر والجوع… في الذل والإهانة بدأت تتوضح المعالم في ذهني… وبدأت أعرف معنى المآسي التي شاهدتها… واليوم وقد عرفت كلَّ الأسباب والدوافع التي أدَّت إلى النكبة حتى نؤمن بالعودة… إن ارتباطنا بتلك الأرض أكثر عمقاً من أحداث النكبة… إن لنا فيها جذوراً ضاربة في أعماقها؛ لن تستطيع السنوات أن تقتلعها… لأننا ما زلنا نرعاها ونستقيها… ولعلَّنا اليوم بعد تسعة عشر عاماً أشدّ ما نكون إيماناً بيوم العودة… وأكثر ما نكون التصاقاً بتلك الأرض، وأخيراً أقول: إن جيل ما بعد النكبة هو جيل الغد… هو جيل العودة".

ومن فلسطين اتَّجهت عائلة داوود يعقوب إلى الأردن، ومنها استقرَّ بهم المطاف في سورية.


وتحت وطأة الظروف والحاجة الملحَّة اضطُرَّ داوود إلى امتهان كثير من المهن ليؤمِّن بعض المال الذي يعين الأسرة على العيش.


إلا أنَّ ظروفه الجديدة لم تقتل في نفسه حبَّ العلم والمعرفة، فحنَّت نفسه إلى الكتاب، لذلك نراه في سن الرابعة عشرة من عمره يستطيع الحصول على شهادة الدراسة الابتدائية بجهد شخصي (دراسة حُرَّة)، ويعود إثر ذلك إلى المدرسة طالباً نظامياً في إعدادية صفد بدمشق، فيحصل على شهادة الدراسة الإعدادية.

وممَّا يذكره القاص والناقد الأدبي الراحل الدكتور محمود موعد عن طفولة داوود يعقوب: "مضى زمن… مضى تاريخ… ثلاثون عاماً أو يزيد… على أبواب مخيم اليرموك التقينا… بيوته كانت تعدُّ أيامها على أصابع اليدَيْن… أيام تقاسمنا الفقر والبؤس، والبرد والطين، وحليب الإعاشة ومدارس الوكالة، والآمال الصعبة، والأحلام التي لا تطال. كنا نبحث عن شيء فقدناه… نبحث عن فلسطين، عبر قرانا الصغيرة، عبر حقول البرقوق… عبر الألوان والروائح والطعوم…


كنا نبحث بطريقتنا الطفولية… بأجسادنا الغضَّة… وأحساسينا العارمة؛ لأن عقولنا لم تكن قد نضجت بعد… على أبواب المخيم… كرة القدم… البيادر… السِّباحة… صيد الصُّقور… السَّطو على البساتين… النَّوم في العراء على أكوام القش، وعلى الشِّفاه كانت القلوب تُردِّد: بلاد العرب أوطاني، وموطني موطني، وحُماة الدِّيار عليكم سلام… وتقشعر منا الأبدان، وتمتزج العزَّة بالدموع…".

ولم يستطع داوود يعقوب أن يُكمل دراسته الثانوية بسبب الظُّروف المادِّيَّة الصَّعبة التي كانت تمرُّ بها أسرته، فكان لا بدَّ من البحث عن عمل يتناسب وميوله، فاتَّجه إلى العمل المسرحي، فعمل ممثلاً وكان ذلك في العام 1958 ثم التفت إلى التأليف المسرحي، فكتب عدَّة مسرحيات ذات فصل واحد، وكتب في بعض الصحف المحلِّية والعربية مقالات في النقد الأدبي والفني.

وفي نهاية الخمسينيات بدأ اتِّصاله بالإذاعة السورية، فبدأ العمل مذيعاً وممثلاً في الكثير من البرامج والأعمال الدّرامية.


يذكر الفقيد عن فترة البدايات: (بدأت في نادٍ صغير أُلقي الشعر في ندوة أسبوعية، فأخذني المرحوم الأستاذ أكرم خلقي لأمثِّل في الإذاعة حياة الشهيد المرحوم عدنان المالكي، ثم بدأت العمل مع مجموعة من الهواة على خشبة المركز الثقافي العربي عندما افتُتح أول مرة في ظلِّ دولة الوحدة السُّورية المصرية ومن ثَمَّ؛ تمَّ اختياري بواسطة الفنَّان الكبير المرحوم صبري عياد للعمل في مسرحيات "الصياد" و"صرخة دمشق". وكان آنذاك الدكتور رفيق الصبَّان مكلفاً بتأسيس المسرح القومي، ورآني أمثل على مسرح المركز الثقافي، فطلب أن يقابلني، ودهش عندما لمس اطلاعي على المسرح اليوناني، وتناقشنا حول "أوديب" و"كامو" و"بريخت"، وفُوجئ أكثر عندما عرف أني نشرت العام 1958 وعلى حلقات متسلسلة في صحيفة "صوت العرب" تلخيصاً لكتاب ستانسلافسكي. وقد طلب مني أن أمثِّل مشهداً من "أوديب" فنفذّت المشهد الأول من المسرحية، وتمَّ على أساسها تعييني في المسرح القومي، ومثَّلت في عدد من المسرحيات ومنها "العادلون" لألبير كامي و"المزيفون" لمحمود تيمور، و"الخروج من الجنة" و"براكسا" لتوفيق الحكيم و"ثمن الحرية" لعمانويل روبنصون…).

ومن ذكريات الفنَّان الراحل الأستاذ نهاد قلعي عن تلك الأيام: "كان انطباعي عن داوود يعقوب يوم عرفته أن شخصية الأديب فيه تطغى على شخصية الفنَّان الممثِّل، ورغم ذلك وجدت نفسي أسند إليه أهمَّ دور في أول مسرحية أخرجتها للمسرح القومي وكانت مسرحية "المزيفون" من تأليف الكاتب المصري الكبير محمود تيمور، الذي سعد لاختيارنا مسرحيته، فجاء يزور القطر ويطَّلع على المراحل الأولى للتَّمارين… فتضاعفت سعادته من خلال النقاش الذي جرى معه، حول المسرحية بعد فترة التمرين، واستأثر داوود بالجزء الأكبر من هذا النقاش… فقال يومها تيمور:


إنه سيعود إلى القاهرة مطمئنَّاً إلى أن مسرحيته في أيدٍ أمينة، ولم يُخطئ حدسه، فقد كان داوود هو المبرز حين عرض المسرحية.

وممَّا يذكره الكاتب الأستاذ رياض عصمت عن بدايات تأسيس المسرح السوري: إن نهضة المسرح في سورية جاءت على يد كلٍّ من رفيق الصبان، وشريف خزندار اللذين كانا قد عادا إلى سورية من فرنسا، بعد أن تدرَّبا على أيدي الفنَّانين الكبيرين جان لوي بارو، وجان فيلار، فأخذا يقدمان نماذج من المسرح العالمي، محاولين وضع أسس لثقافة مسرحية واعية تضمن في الوقت نفسه إقبال الجماهير، وأسَّس الدكتور رفيق في هذه الفترة نواة مسرحية كان لها أكبر الفضل في دعم مسيرة المسرح في سورية، وأطلق على طاقمه الفني هذا اسم "ندوة الفكر والفن".

ويؤكد الناقد الأدبي الأستاذ يوسف سامي اليوسف أن داوود يعقوب ظلَّ حتى أيامه الأخيرة مهتماً بالمسرح إذ يقول: "ذبلت وأنت تفكر في إنشاء مسرح في المخيم، ويوم اقترحت علي أن نمارس ضرباً من القراءة التمثيلية؛ أدركت أنَّك مُترع بالطاقة المسرحية، وأنَّك قادر على أن تهب الكثير"…

* الطَّريق إلى إذاعة دمشق:

كانت خلال الوحدة بين سُورية ومصر، أي في مطلع عام 1960، حين كان داوود يُلقي الشِّعر في نادٍ صغير، في دمشق، وفي ندوة أسبوعيَّة؛ حيثُ أخذه المرحوم الأُستاذ أكرم خلقي ليُمثِّل في الإذاعة، حياة الشَّهيد المرحوم عدنان المالكي.


عاد بعد ذلك لعمله المسرحي في المسرح القومي، حتَّى مُنتصف عام 1961؛ حيثُ ذهب لأداء خدمة العلم، أما البداية الحقيقيَّة، فكانت عام 1962 حين عُيِّن في إذاعة دمشق مُذيعاً ومُعاوناً لمُدير التَّوجيه السِّياسي فيها، ولم يكنْ داوود في الإذاعة والتلفزيون السُّوري، الفلسطيني الوحيد، فقد زامله فيها توءمه الإذاعي الكبير مُحَمَّد صالحيَّة، والشَّاعر الفلسطيني الرَّاحل الكبير كمال ناصر، والشَّاعر الفلسطيني الكبير يُوسف الخطيب، والأُستاذ عبد الله الحوراني.

ويحدثنا داوود يعقوب عن فترة البدايات قائلاً: (لم أبقَ بالمسرح القومي طويلاً، فقد انتقلت بعد ذلك إلى "ندوة الفكر والفن" ومن ثمَّ؛ عملت في الإذاعة بشكل رسمي غير أني بقيت على صلة مباشرة بكل ما يصدر عن المسرح من دراسات، وقد شاركت بالنشاطات الفنية للمسرح العسكري أثناء تأدية خدمة العلم، وكان ذلك في منتصف العام 1961. وفي العام 1963 عملت في إذاعة دمشق معاوناً لمدير التوجيه السياسي، وباشرت الإخراج الإذاعي العام 1964، وحاولت أن أكتشف الفرق بين الإخراج المسرحي والإخراج الإذاعي…).

ومنذ مطلع شبابه آمن داوود يعقوب بالكفاح المسلَّح طريقاً لتحرير الوطن المغتصَب، ففي احتفال نظَّمته الهيئة العربية العليا لفلسطين إحياءً لذكرى الشهداء الذين سقطوا في ميادين الشرف وساحات الكفاح والجهاد دفاعاً عن عروبة فلسطين، وذلك بمكتب الهيئة في دمشق في السابع من نيسان/ أبريل 1965 بمشاركة جموع من الشبان والمجاهدين والمثقَّفين الفلسطينيين والسوريين، ارتجل داوود يعقوب كلمة حماسية جاء فيها: "لو أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه القوَّة التي في ألسنتنا، في سواعدنا لكنَّا الآن في الوطن المغتصَب أعزَّة كراماً، ولكُنَّا أقمنا هذا الاحتفال في القسطل"…


وقد كان الراحل من أوائل الذين ساهموا في إنشاء إذاعة فلسطين في دمشق، إيماناً منه بقضية شعبه، وبضرورة إيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم.

وفي سنة ثمان وستين أصبح عضواً في نقابة الفنَّانين في القطر العربي السوري، كما ساهم مع عدد من رفاق درب التحرير في تأسيس اتّحاد الكتَّاب والصّحفيين الفلسطينيين، وكان له دور بارز في تأسيس الاتّحاد العام للفنَّانين الفلسطينيين، وقد انتُخب في دورته الأولى أميناً عاماً، وذلك سنة 1970.

كما خاض داوود يعقوب غمار تجربة هي الأولى من نوعها في الشَّتات الفلسطيني، حيث ساهم مع عدد من الفنَّانين الفلسطينيين في تأسيس المسرح الوطني الفلسطيني، ومما يذكره الشاعر خالد أبو خالد عن تلك المرحلة: "لقد كان صاحب وجهة نظر في تأسيس اتِّحادنا العام للكتَّاب والصَّحفيين الفلسطينيين… وواحداً من المبادرين للمشاركة في تأسيسه من موقعه المؤثِّر في قاعدة شعبنا الفلسطيني، فقد كان بالإضافة إلى كونه واحداً من المثقَّفين الثَّوريين الفلسطينيين، قريباً من القلوب التي يتعامل معها ووفياً لنبضها العظيم في سنوات نهوض الثَّورة… أتحدَّث عنه لأنني واحد من الذين عرفوه وزاملوه في أستوديو الإذاعة إلى سفوح الأغوار وجبال عمان البعيدة الآن… يوم جاء في يديه مشروع تأسيس المسرح الوطني الفلسطيني ومشروع اتِّحاد الفنَّانين والمثقَّفين الفلسطينيين، وفي صدره وعقله ولاء للأرض والثَّورة وحسب. وما من شك أن معاناة داوود في محاولته لتأسيس مسرح وطني فلسطيني واتِّحاد للفنَّانين الفلسطينيين، توازي معاناة الكثيرين من مثقَّفي شعبنا، من أجل السير على طريق تطوير مؤسسة الثَّورة كلها، وعلى مختلف المستويات".

وكما آمن داوود يعقوب بالفعل الثَّوري المسلح، آمن بأهمية الكلمة المقاتلة إذ يقول:


"هذه الثَّورة لم تكن ثورة بندقية فحسب، بل كانت ثورة كلمة وبندقية، وفي هذه الثَّورة تحقِّق التَّلاحم الحقيقي بين الكلمة والبندقية. وقدَّمنا من الكتَّاب الفلسطينيين شهداء كثيرين على طريق مسيرة ثورتنا، ولا يزال كتَّابنا الفلسطينيون وشعراؤنا العرب التقدميون مصرِّين على أن يتابعوا المسيرة أياً كانت التضحيات، وأياً كانت التحديات".

وهو مُحقٌّ بذلك فقد سقط غسان كنفاني شهيداً، ووائل زعيتر، وكمال ناصر، وكمال عدوان، وماجد أبو شرار، وعبد الوهاب الكيالي، وعلي فودة، وخليل حاوي شاعر لُبنان الكبير الَّذي رفض عقله الاحتلال الصّهيوني لبيروت العاصمة العربيَّة، فأطلق النَّار على رأسه، كُلُّ هؤلاء وغيرهم سقطوا شهداء الكلمة والرَّصاصة، وعلى الطَّريق نفسه، الَّتي سلكها الشَّاعر الشَّهيد عبد الرَّحيم محمود، في المُواجهة مع البغي والاحتلال.

ولم يعرف داوود يعقوب المساومة يوماً في مواقفه الوطنية وثباته عند الحقِّ، فقد كان عنيداً صلباً إذا ما تعلَّق الأمر بأرضه وقضيته وحقوق شعبه. والسلام الذي كان يتحدَّث عنه؛ هو السَّلام العادل والشامل للأرض والإنسان، مؤمناً أنْ لا سلام في المنطقة مع وجود الكيان "الإسرائيلي" الغاصب المحتل، الذي قام على أنقاض حقِّنا وأرضنا. فالسَّلام يعني حسب داوود يعقوب زوال هذا الكيان وعودة القادم المغتصب إلى المكان الذي جاء منه قبل النكبة العام 1948. أما اليهود من أبناء فلسطين، فلهم في الأرض ما للمسيحيين والمسلمين من حقوق، وعليهم من الواجبات ما علينا.


فالسَّلام العادل يعني بالضرورة الحتمية أن تعود فلسطين بمساحتها الجغرافية (27.009) كيلو مترات مربعة، وحدودها الطبيعية: سورية والأردن شرقاً، والبحر الأبيض المتوسط غرباً، ومن الشمال لبنان وسورية، ومن الجنوب سيناء وخليج العقبة.


نعم، هذه هي الأرض التي يجب أن يُرفع فوقها العلم الفلسطيني. هكذا كان يقول دائماً مؤكداً أن تحرير القدس يم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تفاصيل الوعود الغربية البلفورية 1799 - 1917

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 6 كانون الأول 2009 الساعة: 01:26 ص

نحو مؤتمر دولي لبحث مسؤولية بريطانيا في ضياع البلاد
تفاصيل الوعود الغربية البلفورية منذ عام 1799 وحتى عام 1917 تاريخ صدور (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)

في الثاني من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري مرت الذكرى الـ92 ، على صدور (وعد بلفور) أهم الوثائق الصهيونية وقد أخذ الوعد الذي أعد بصيغته النهائية في 31 تشرين الأول/ أكتوبر عام (1917)، على شكل رسالة بعث بها اللورد آرثر جيمس بلفور في 2 كانون الثاني/ نوفمبر (1917) إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية، ونشر في الصحف البريطانية صباح يوم (23 من المحرم 1336هـ / الموافق 8 من كانون الثاني/ نوفمبر من نفس العام)، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء آلاف النسخ من (وعد بلفور، وأنباء صدوره) على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا.
ويعد صاحب الوثيقة اللورد آرثر جيمس بلفور، من (الصهاينة غير اليهود)، ومع أن الوعد صدر من بريطانيا، إلا أن صياغته وصدوره كان جهداً بريطانياً أمريكياً مشتركاً. أما الفائدة الكبرى من إصداره، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين تُوظَّف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي. وقد كان الدافع الحقيقي لهذا الوعد هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية، وخصوصاً في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند.

وحينما صدر (وعد بلفور)، سماه الصهاينة (الميثاق أو البراءة). وقد كانوا، في ذلك، أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءات التي أُعطيَت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين. وقد أصدرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقاً كلٌّ من فرنسا وإيطاليا، ثم أيَّدته الولايات المتحدة الأمريكية، وعليه يعد هذا الوعد وعداً غربياً، وليس وعداً إنجليزياً، كما هو شائع، وقد سعت الدول الاستعمارية العظمى منذ تأسيس الكيان اليهودي الصهيوني، أن يتم توظيفه في خدمة المصالح الإمبريالية الغربية كافة.

ومما يثير الاستغراب أن السواد الأعظم من الساسة والبحاثة والكتاب، لا يتعاطون مع هذا الوعد الاستعماري، إلا من باب الندب والتباكي والتظلم، والأجدر بنا جميعاً (فلسطينيين وعرباً) أن نعد العدة لمحاكمة هذا الوعد الكارثي، من حيث صياغة وتوقيت صدوره ونواياه ومراميه، وباعتبار ما شكله لاحقاً من خلق (أرضية أخلاقية- دولية) لإقامة الكيان العنصري اليهودي الصهيوني. وذلك من خلال الإعداد لمؤتمر دولي خاص بوعد بلفور، وتسليط الأضواء على ما أفرزه من آثار مدمرة على أرضنا وشعبنا في فلسطين، وفي المنطقة العربية بشكل عام. واعتبار بريطانيا مسؤولة، مسؤولية قانونية وأخلاقية عن ضياع البلاد وتشريد العباد، وتحميلها مسؤولية تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح قبل النكبة عام (1948)، وتحميلها كذلك جزءاً من المسؤولية القانونية عن الجرائم الصهيونية التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني منذ بداية عشرينات القرن الماضي وحتى عام (1948). باعتبارها الجهة القائمة بالانتداب، وبالتالي فهي تتحمل مسؤولية كل ما جرى طيلة فترة الانتداب وحتى عام النكبة، وعليه وجب دعوة الحكومة البريطانية للاعتراف بمسؤوليتها عما حدث للشعب الفلسطيني، والتأكيد بعد تقديم اعتذار تاريخي للشعب الفلسطيني أن تعمل على تعويضه بالطرق التي يراها الفلسطينيون.
فخلال 28 عاماً من الحكم البريطاني، سنت سلطة الانتداب سلسلة من القوانين، واتخذت العديد من الإجراءات التي سهلت إنشاء الكيان اليهودي الصهيوني.

وهنا وجب التأكيد أن كثيراً من السياسيين والمؤرخين يدفعون ببطلان هذا الوعد، وبالتالي بطلان كل ما ترتب عليه من مغالطات وأكاذيب، لأن فلسطين لم تكن، عند صدور الوعد جزءاً من الممتلكات البريطانية. كما أن المؤامرة الدولية على فلسطين، كانت تحاك من قبل الدول الاستعمارية العظمى قبل توقيع اتفاقية سايكس - بيكو عام (1916)، ذلك أن صك الانتداب على غير فلسطين نص على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني، إلا أن صك الانتداب على فلسطين تضمن (في المادة الثالثة منه) على تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيه. وقد تجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، ووجود الأكثرية العربية الساحقة فيها، والتي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص. رغم أن عدد الفلسطينيين كان يفوق، عندئذ، 90 %من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود 10 % فقط ولا تتجاوز أملاكهم 2 % من عموم أراضي فلسطين.

* الوعود البلفورية الغربية.. تعددت الصيغ والهدف واحد:
استناداً إلى المعطيات التاريخية، وجبت الإشارة إلى أنه يجب ألا ننظر إلى (وعد بلفور) بمعزل عن ما يمكن أن نطلق عليه (الوعود الغربية البلفورية) أي تلك الوعود السابقة عليه أو اللاحقة له وكذلك عن الاتفاقيات الاستعمارية الدولية التي أُبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تهدف إلى حل المسألة الشرقية عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه الاتفاقيات: (اتفاقية سايكس - بيكو) و(اتفاقية ماكماهون - حسين). كما لا يجب النظر إلى (الوعد البلفوري) بعيداً عن البراءات التي كانت تُعطَى للشركات الاستيطانية في آسيا وأفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبَل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام (1917)، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، فضلاً عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية.

وقد بدأت الصيغ الأولى لـ(الوعود الغربية البلفورية) منذ القرن الثامن عشر، حيث ترجع البدايات الأولى لفكرة إنشاء وطن خاص باليهود، يجمع شتاتهم إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر، وقد ظهرت أولى العلامات في وعد الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت بإنشاء دولة لليهود في فلسطين، حيث دعاهم (لإعادة بناء الهيكل باعتبارهم ورثة إسرائيل الشرعيين!)، وقد جاءت هذه الدعوة في شهر آذار/ مارس من عام (1799) أي قبل أكثر من قرنين من الزمن.

ومما جاء في نص الوعد الفرنسي:
( من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.
أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.
إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم "أشعياء 35/ 10".
انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات.
إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود.
يا ورثة فلسطين الشرعيين:
إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب "يوئيل 4/ 6"، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.
انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما "مكابيون 12/ 15"، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها.
سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد "يوئيل 4/ 20").

غير أن وعد نابليون البلفوري، صدر في وقت لم يكن فيه تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه.
ومن الأمثلة الأخرى على (الوعود الغربية البلفورية)، الوعد الروسي القيصري. حيث قام ثيودور هرتزل بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس عام (1901)، حتى يَحصُل على تصريح يعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة (1903). وبالفعل، صَدَر (الوعد البلفوري الروسي القيصري)، في شكل رسالة وجهها فون بليفيه إلى هرتزل، ومما جاء فيها:

(ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا).

كما يمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم (الوعود الغربية البلفورية) وهو لا يختلف كثيراً عن (الوعود البلفورية) السابق ذكرها، كما أنه يشبه في كثير من النواحي (وعد بلفور) الذي صدر في نهاية الأمر. ويُعرَف بـ(مشروع شرق أفريقيا) أيضاً باسم (مشروع أوغندا) وهو الاسم الذي يُطلَق عادةً على الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة البريطانية عام (1903) لليهود، لتنشئ لهم مقاطعة صهيونية في شرق أفريقيا البريطانية (كينيا الآن، وليس أوغندا كما هو شائع) في هضبة وعرة مساحتها 18 ألف ميل مربع ليست صالحة للزراعة.

ويبدو أن الخطأ في التسمية يعود إلى أن تشامبرلين، أشار أثناء حديثه عن المشروع مع هرتزل إلى سكة حديد أوغندا، فتَصوَّر هرتزل أن أوغندا هي الموقع المقترح للاستيطان. وقد تقدَّمت الحكومة البريطانية بالاقتراح في وقت تزايد فيه النشاط الاستعماري الألماني والإيطالي، وفي وقت تزايدت فيه هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا. ومن ثم، سنحت الفرصة لوضع الصيغة الصهيونية الأساسية موضع التنفيذ بتحويل المهاجرين إلى مادة استيطانية تُوطَّن داخل محمية إنجليزية تقوم بحماية الموقع الإستراتيجي الجديد.
وقد عرض البريطانيون شرق أفريقيا لا فلسطين، مكاناً للاستيطان، لأن الدولة العثمانية كانت حليفة لبريطانيا التي قررت الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية لتقف ضد الزحف الروسي، أي أن تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد تقرَّر بعد. وقد كان المفترض أن تكون المقاطعة محمية خاضعة للتاج البريطاني يحكمها حاكم يهودي، وكانت ستُسمَّى (فلسطين الجديدة). وقد أعد مكتب لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا حين صدور الوعد، براءة الشركة التي ستقوم بتنمية المنطقة. وكان هرتزل من بين الموافقين على المشروع.

وقد كتبت مجلة (جويش كرونيكل)، في ذلك الوقت، أن المشروع كان يحظى بتأييد اليهود الروس بدرجة تفوق كثيراً تأييد قيادتهم الصهيونية له، كما يُلاحَظ أن "المستوطنين" الصهاينة في فلسطين كانوا من أشد المتحمسين للمشروع. ولكن المندوبين الروس عارضوا المشروع بشدة حينما عُرض على المؤتمر الصهيوني السادس (1903)، وكان من المعارضين أيضاً حاييم وايزمان. وقد أطلق على المعارضين تسمية (صهاينة صهيون) لإصرارهم على تشييد الدولة الصهيونية في (صهيون نفسها)، أي في فلسطين.

وقد صدر آخر (الوعود الغربية البلفورية) عن ألمانيا بعد صدور (وعد بلفور) نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشئ عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام (1916) واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني.

واقتصر الأمر على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم طلعت باشا، إثر مقابلته للزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج، في مطلع شهر كانون الثاني/ يناير (1918)، والذي بُحث فيه موضوع اليهود في الدولة العثمانية، ومما جاء في تصريح الصدر الأعظم، أن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء، أما نص تصريح المسؤول الألماني فقد جاء فيه:

(نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة الألمانية ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها).

وبعد صدور (الوعد البلفوري الألماني)، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعتها اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وقد سعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لـ(وعد بلفور). وقد تمكنوا من الحصول على هذا التصريح في 14 تموز/ يوليو (1918)، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ.

* السمات الأساسية للمشروع الصهيوني:
ولفهم طبيعة (الوعد البلفوري)، وإدراك نواياه ومراميه، لا بد للقارئ من فهم السمات الأساسية للمشروع الصهيوني، والتي تتضح أساساً في عدة حقائق أهمها:
أن الفكرة الصهيونية ظهرت في أوربا في القرن التاسع عشر، وهو عصر الاستعمار الأوربي القومي للقوميات الأخرى، وقد استمد كثيراً من مبرراته، من الأفكار القائمة على التمييز العنصري.
كما أن فكرة قيام كيان يهودي، ثم تحوَّل إلى صهيوني، انطلقت من قبَل الزعامات الأوربية قبل أن تتحول إلى تنظيم لليهود والصهاينة، حيث كما بينا سابقاً كان نابليون بونابرت أول من أعلن عام (1799)، عن استعداده للسماح لليهود بإعادة بناء الهيكل في القدس إذا ساعدوه في حربه مع بريطانيا العظمى من أجل السيادة على الشرق الأدنى والطريق إلى الهند.
كما أعلن بسمارك عن رغبته في إنشاء كيان يهودي، حول نهر الفرات لحماية مشروع خط الملاحة الألماني التجاري الذي فكرت ألمانيا، آنذاك، في إنشائه لتخرج من دائرة احتكار بريطانيا للطرق التجارية المؤدية إلى الشرق الأقصى.

وفي عام (1837) طلب بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا، من سفيره في إستانبول الاتصال بيهود الشرق الأدنى ليطلبوا حماية بريطانيا، لتتمكن من تحقيق وجود لها على غرار الوجود الذي حققته فرنسا في الشرق الأدنى، تحت شعار (حماية المسيحيين الكاثوليك)، وذاك الذي حققته روسيا القيصرية أيضاً تحت شعار (حماية المسيحيين الأرثوذكس).

وبعد قيام الحركة الصهيونية بتشجيع ألماني بريطاني جرى صراع حول الاستقطاب إلى أن نجحت بريطانيا في احتواء الحركة الصهيونية وإبعاد النفوذ الألماني، بوصول حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون إلى موقع القيادة الأول. وقد قامت (إسرائيل) كدولة صهيونية من خلال ما يُسمَّى بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار الجمعية العمومية المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر عام (1947) بتقسيم فلسطين، مع أن هذا القرار يتناقض مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لأنه صادر إرادة شعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره، فضلاً عن أن تهجير تجمعات بشرية إلى وطن يسكنه شعبه رغم إرادة هذا الشعب، ثم إعطاء هؤلاء المهاجرين حق سلب جزء من الوطن، عمل يتناقض مع الحقو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإعلامي الفلسطيني داوود يعقوب..رحلة العودة وحلم الخروج

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 20 تشرين الأول 2009 الساعة: 19:35 م

* يَمَّم وجهه لفلسطين، وانتمى لحزبها الكبير… وظلَّ يرنو لقلعة القسطل وشهيدها الحسيني.


* كان صوته مثل (الفانتوم) يتموَّج بين براءة الوردة وهدير الشَّلال.


* شاب لامع مُتعدِّد المواهب، حنجرة دافئة، فجأة ترتبك وهي تنقل للنَّاس خبر الانكسار.

دراسة أعدها للنشر: الكاتب الفلسطيني ياسين معتوق.

أسباب عديدة واجهت أبناء اللاَّجئين في المُخيَّمات، وحالت في البداية دُون مُواصلتهم الدِّراسة، وفي مُقدِّمة هذه الأسباب: الرِّهان المُستمرُّ على العودة السَّريعة إلى فلسطين، وثانيها الفوضى الَّتي عاش فيها اللاَّجئون في البداية؛ حيثُ افترش السَّواد الأعظم منهم الأرض في العراء، إلى أنْ نصبت لهُم وكالة غوث اللاَّجئين الخيام، وقدَّمت ما يسدُّ رمق الجُوع من المُساعدات العينيَّة، ونهاية بضيق ذات اليد… والفقر المُدقع غالباً، ما حال دُون إرجاع الأطفال في حياة دراسيَّة. إلاَّ أنَّ ظُرُوفه الجديدة، لم تقتل في نفسه حُبَّ العلم والمعرفة، فحنَّت نفسه إلى الكتاب، لذلك نراه في سنِّ الرَّابعة عشرة من عُمره يستطيع الحُصُول على شهادة الدِّراسة الابتدائيَّة بجُهد شخصيٍّ ـ دراسة حُرَّة ـ إلى أنْ حلَّت كارثة جديدة لم تكن في حُسبان الصَّبي داوود، ولا في حُسبان أُسرته عُمُوماً، فهي ليست من فعل البشر، وإنَّما القدر الَّذي خطف من هذه الأُسرة ربَّة البيت والأُمُّ، والمُعلِّمة، والصَّدر الحنون، فقد رحلت أمُّ داوود الَّتي كانت أنجبت الشَّقيق الرَّابع لداوود، وهُو الأصغر بين إخوته، (مُحَمَّد) الَّذي لم يكن قد تجاوز السَّنة الثَّانية من عُمره، وبذا تضخَّمت الصِّعاب والأعباء، ولم يكن بالإمكان مُجابهة هذه الظُّرُوف إلا بترك داوود الابن الأكبر بين الأولاد لمقاعد الدِّراسة، والتَّوجُّه للعمل، لمُساعدة ومُساندة أُسرته، ولو على حساب العلم.
وقد زاول داوود العمل في مهن مُتنوِّعة، رغم ذلك كان دائم البحث عن عمل ثابت ، يُؤمِّن له الدَّخل الَّذي يُساعد أُسرته على أعباء الحياة. لم يكن داوود يخجل من عمله أيَّاً كان هذا العمل، بل العكس، فقد كان يفتخر بأنَّه يعمل.. لأن شعاره كان ( العمل ليس عيباً) المهم أن يكون عملاً شريفاً، وله مردود يرفع شيئاً من ضيم الفقر عن الأُسرة.
 داوود ذاك الشَّاب اليافع… الَّذي يعمل، وفي ظُرُوف تُثقل كاهل مَنْ هُو أقوى منه… لم تفت هذه الظُّرُوف من عضده، أو تدفعه إلى اليأس والاستسلام، بل العكس من ذلك، لأنَه كان في استراحته يوم عمله، أو حين ينتهي عمله ويعود مُتعباً بعد يوم حافل بالجُهد، يحمل الكتاب، فالكتاب كان رفيق رحلته ووحدته وعمله، طالما كان يُمنِّي النَّفس دائماً بالعودة إلى مقاعد الدِّراسة، إلى أنْ هيَّأت وكالة الغوث البُنية التَّحتيَّة والأساسيَّة، لإنشاء المدارس لأبناء اللاَّجئين، ومثل كُلِّ أقرانه، نراه يعود إلى المدرسة طالباً نظاميَّاً في إعدادية صفد بدمشق، فيحصل على شهادة الدِّراسة الإعداديَّة.
وظلَّ داوود يتطلَّع إلى التَّحصيل العلمي لنيل الشَّهادة الثَّانويَّة، ثُمَّ الجامعيَّة بعدها، ولكنْ؛ بين التَّطلُّع والحلم، وبين الواقع القاسي والمرير لظُرُوفه، وظُرُوف أُسرته بون شاسع، ظُرُوف لم يتمكَّن من قهرها مَنْ هُو أقوى منه، فقد عاد داوود ليُزاول العمل، بل أعمالاً عديدة ومُتنوِّعة وغير مُستقرَّة، إلى أنْ بدأ يأخذ مكانه في الفن والإعلام.
لم يكن لهذه الظُّرُوف مُجتمعة أي أثر في فتِّ عزيمته بالتَّعلُّم ـ ولو ذاتيَّاً ـ فهُو كان قارئاً نهماً ومُواظباً، ويملك إرادة فُولاذيَّة على تثقيف نفسه بنفسه، وتطوير لُغته حتَّى أصبح مُمسكاً ناصية اللُّغة وقواعدها، ومُتابعاً أوَّل بأوَّل لكُلِّ الإنتاج الأدبي، فلسطينيَّاً و عربيَّاً ومُترجماً في تلك المرحلة.
و بعد زواجه من السَّيِّدة نهلة غبن ـ وهي من أقربائه ـ حاول بكل استطاعته إسعاد أسرته وأن يوفر لها ما لم يستطع الحصول عليه في صغره.
ظلَّ داوود يعقوب الشَّاب رغم كُلِّ العذابات، وحرارة اللُّجوء يُيَمِّمُ وجهه نحو فلسطين الَّتي غادرها صبيَّاً صغيراً، فقد فعلت سياسته بتثقيف نفسه فعلها وعياً، وإصراراً على حقِّ العودة إلى الوطن، الَّذي يرزح تحت نيرالاحتلال، و رغم أنَّ المرحلة آنذاك كانت حُبلى بالأحداث، وتشهد حالة من النُّهُوض والتَّمرُّد على الأنظمة الإقطاعيَّة الرَّجعيَّة، الَّتي تسبَّبت بضياع فلسطين، ورغم أنَّ مطلع الخمسينيات شهد بداية نُشُوء الأحزاب والحركات الوطنيَّة، مثل حركة القوميِّيْن العرب، وحزب البعث، إلى جانب الأحزاب الشُّيُوعيَّة الموجودة أصلاً وغيرها، فقد كان لداوود رأي،
أنَّ الانتماء لفلسطين أكبر وأهمُّ.
وهذا ما دفع داوود الشَّاب إلى أنْ يُمارس دوره وقناعاته في فعاليَّات وطنيَّة مُتنوِّعة، كانت تُقيمها الأحزاب والحركات الوطنيَّة .
ففي العدد (51) الصَّادر أوَّل أيَّار (مايو) عام 1965، من نشرة فلسطين الدَّوريَّة، الَّتي تُصدرها الهيئة العربية العليا ، وإحياءً لذكرى شهداء فلسطين، كان داوود يعقوب، الشَّاب، أحد خُطباء المهرجان إلى جانب العديد من الزُّعَماء والشَّخصيَّات السِّياسيَّة من فلسطين وسُورية أمثال القاضي فيصل العظمة، والمُعلِّم أحمد اللُّوباني، والمُجاهد صبري البديوي، والشَّاعر عبد الهادي كامل، والأُستاذ زياد الخطيب مُمثِّل الهيئة في سُورية.
وفي كلمته آنذاك ـ  والَّتي ارتجلها ـ كان الشَّاب داوود يعقوب يتدفَّق حماساً تعبيراً عن أبناء جيله من الشَّباب؛ حيثُ قال:
( لو أنَّ الله سُبحانه وتعالى جعل هذه القُوَّة الَّتي بألسنتنا، في سواعدنا، لكُنَّا الآن في الوطن المُغتصب أعزَّة كراماً، ولكُنَّا أقمنا هذا الاحتفال في القسطل).
وهو ما كان داوود يعقوب يتطلَّع إليه في إقامة هذا الاحتفال في القسطل بالذَّات؟
كان من الطَّبيعي أنَّ مثل هذه الانطلاقة للشَّاب داوود يعقوب، حدَّدت شكل مسيرته وانطلاقته اللاَّحقة؛ حيثُ تستمرُّ الرِّحلة، ويكبُر الحلم والأمل لتحقيق الأهداف الوطنية الثابتة والتاريخية لشعب فلسطين، شعب داوود يعقوب، دونما التفات إلى عثرات الماضي ومرارته وصعابه، وما حمل من مآسٍٍ، وهذا ما جعل الرِّحلة المُستمرَّة لاحقاً من حياة الرَّاحل حافلة.
داوود فنَّاناً وأديباً… وراعياً للكلمة
خطوات جديدة ونوعيَّة في رحلة داوود يعقوب، ومسيرته القصيرة، وهُو الَّذي كان ينشط في المُنتديات الأدبيَّة والثَّقافيَّة والسِّياسيَّة بدمشق آنذاك، وكان الأثر الكبير لذلك في قراءات داوود، وتثقيف نفسه بنفسه، وهُو في سنِّ الشَّباب، والَّذي لم يتمكَّن من مُتابعة دراسته الإعداديَّة كما كان يرغب ويطمح للأسباب الَّتي ذُكرت سالفاً، والَّتي لا دخل له فيها، بل كانت خارج نطاق إرادته.
لقد تجلَّى داوود في إسهاماته في المُنتديات الأدبيَّة والثَّقافيَّة مُحاوراً ومُجادلاً، وصاحب رأي ووجهة نظر، فقد انتسب إلى ندوة الفكر والفنِّ، وعُمره لا يتجاوز العشرين عاماً.
فقد وصفه الكاتب سمير المصري ذات مرَّة، قائلاً: " كُنتَ تخاله في مطلع السِّتِّينيات، بأنَّه أقوى من كُلِّ العراقيل. وهو يبدأ رحلة الكفاح مع إثبات الوُجُود، فقد كان يعمل في كلِّ المجالات الفنِّيَّة والأدبيَّة والصَّحفيَّة بالوقت ذاته، وهُو بدأ هاوياً للتَّمثيل في النَّوادي الدِّمشقيَّة، وكان، في الوقت ذاته، يكتب في العديد من الصُّحُف، زوايا في النَّقد الأدبي والمسرحي الفنِّي".
صفحة لي مع صديق
كَتَبَت عنه الكاتبة العربيَّة السُّوريَّة الكبيرة كوليت خُوري ، في العدد 507 من مجلَّة (المُستقبل)… وفي صفحة سمَّتها: صفحة لي… وتحت عُنوان (مع صديق) قالت:
( بلى… إنِّي أعرف كُلَّ أجزاء هذا الوطن، توحَّدت في قلبكَ الكبير، أنت الفلسطيني المُؤمن، بل أنت الفلسطيني… السُّوري المُؤمن بالوطن الكبير، وأعود سريعاً إلى ذكرياتي معك، فأنا أعرفك مُنذُ زمن بعيد، من ندوة الفكر والفنِّ في دمشق، وكنت أتردَّدُ عليكم بين الحين والحين، ثُمَّ المسرح القومي، ثُمَّ الإذاعة والإعلام، فقد كُنَّا نجتمع دائماً.
نحن الَّذين كُنَّا في مطلع شبابنا، براعم تشقُّ طريقها في دُنيا الأدب والفنِّ والصَّحافة، وأنت تطمح في أنْ تسهم في بناء الوطن من جديد وعلى الشَّكل الأحسن).
ذلك هُو مقطع من ذكريات الكاتبة كُوليت خُوري، عن الرَّاحل… داوود يعقوب.
لم يكن تثقيف داوود لنفسه مُجرَّد لازمة لعمله الصَّحفي، أو الأدبي… أو الثَّقافي، أو مُجرَّد (بريستيج) أمام معارفه، وأصدقائه، وإنَّما كانت ثقافة عمَّقت ورسَّخت وعيه، وصقلت لديه المنهج؛ ليس الأدبي فحسب، بل والسِّياسي أيضاً، فقد ترك تأثيراً كبيراً لدى مَنْ عرفوا داوود يعقوب آنذاك، ولتأكيد ذلك نسوق مثلاً من شهادة كَتَبَها الشَّاعر الفلسطيني أحمد دحبور، في بداية مشواره الشِّعري والأدبي، وتَشكُّل وعيه السِّياسي، ولو بجوانب بسيطة كما تبدو، فَتَحْتَ عُنوان (أبو يزن … أبكى الأُمَّة مرَّتَيْن، وأبكاني ثلاثاً).
قال: ( عام 1964، وكان لي من العُمر ثمانية عشر عاماً، التقيت أبا يزن لأوَّل مرَّة، كنتُ فرحاً، كطفل فاجأه أبوه الفقير بهديَّة العيد، وأنا أحمل مجموعتي الشِّعرية "البكر" "الضَّواري وعُيُون الأطفال"، وكُنتُ أبحث عن الشَّاعر كمال ناصر ـ رحمه الله ـ لأُقدِّم له نسخة منها، فقيل لي: إنَّه في إذاعة دمشق.
وعلى باب الإذاعة، كنتُ أتلعثم بخطواتي وكلماتي، حين فاجأتني الحراسات هناك بأنَّ دُخُول الإذاعة ممنوع، وليس سهلاً، وإذا بشاب طويل القامة، يضع يده على كتفي ويسألني:
فلسطيني؟ نعم فلسطيني…
وبكلمة منه أدخلُ الإذاعة بصُحبته، وما أنْ يدخل مكتبه حتَّى يطلب لي قهوة، ويسألني مُداعباً ما إذا كنتُ "ابن" أحمد دحبور، صاحب المجموعة الَّتي أحملها، وبعد أنْ أقسمت أمامه بكُلِّ براءة أنَّني أحمد دحبور شخصيَّاً، يضحك، ويُسكِّن من روعي ويُقدِّم لي نفسه: داوود يعقوب.
ولم يكن بحاجة إلى تعريف، فقد كان أشهر المُذيعين في دمشق، وقدَّمني إلى الشَّاعر كمال ناصر، والشَّاعر يُوسف الخطيب، وخليل خوري، ثُمَّ اصطحبني معه إلى البيت لتناول الغداء.
حارة اليهود؟! كان للاسم رنين غريب كما هو متوقع ، فأنا أحمد دحبور أعيش مع أهلي في مدينة حمص التي ليس فيها يهودي واحد، ولما كان الإنسان عدوَّ ما يجهل، فقد كان خيالي يتصوَّر اليهود كائنات عجيبة، بأُنُوف مُقوَّسة، وعُيُون محرورة كالدَّم، ومن أبي يزن تلقَّنت الدَّرس في هذا الموضوع الشَّائك:
اليهود بشر مثلنا، وهُم ليسوا أعداءنا، لأنَّهم يعتنقون ديانة أخرى، فهذا شأنهم مع ربِّهم، ولكنَّ الصّهيونيَّة الَّتي جنَّدت أعداداً كبيرة من يهود العالم هي عدوَّتنا، أما اليهودي الَّذي لم يُهاجر إلى فلسطين، فإنَّ بقاءه في بلده، يعني اعترافاً ضمنياً منه بأنَّ فلسطين بلدنا ـ نحن الفلسطينيِّيْن ـ ولذلك كان طبيعيَّاً أنَّ عدداً غير قليل من اللاَّجئين الفلسطينيِّيْن إلى دمشق، عاشوا في "حيِّ الأليانس"، حارة اليهود، بكُلِّ أمانٍ دُون مشكلات، قلتُ له: "لكنَّ كثيرين منهم هاجروا ويُهاجرون إلى فلسطين"، قال: "لا يُمكن أنْ نأخذ موقفاً من مواطن حسب نواياه، وقضيَّة اليهود قضيَّة مُعقَّدة، وبقدر ما نُوفِّر لهُم الأمان، ونشعرهم أنَّهم مُواطنون؛ حيثُ يعيشون، بقدر ما نكسب ثقتهم".
الطَّريق إلى المسرح..
طُمُوحات داوود يعقوب بالعمل المسرحي، بدأت بالتَّحقُّق، حين عُيِّن عام 1958، كمُمثِّل مسرحي، بعد أنْ كان يُمارسها كهواية على مسارح مدينة دمشق، وخاصَّة على خشبة المركز الثَّقافي العربي، عندما افتتح أوَّل مرَّة في ظلِّ دولة الوحدة بين مصر وسُورية، ومع مجموعة من الهُواة.
وفي شهادة كتبها الفنَّان السُّوري الكبير الرَّاحل نهاد قلعي عن داوود يعقوب قال فيها:
( كان انطباعي عن داوود يعقوب يوم عرفته، أنَّ شخصيَّة الأديب فيه تُغطِّي على شخصيَّة الفنَّان المُمثِّل، ورغم ذلك وجدت نفسي أُسند إليه أهمَّ دور، في أوَّل مسرحيَّة، أخرجتها للمسرح القومي، وكانت المسرحيَّة "المُزيَّفون" من تأليف الكاتب المصري الكبير مُحَموَّد تيمور، الَّذي سعد لاختيارنا مسرحيَّته، فجاء يزور القطر العربي السُّوري، ويطَّلع على المراحل الأُولى للتَّمارين، فتضاعفت سعادته من خلال النِّقاش الَّذي جرى معه حول المسرحيَّة، بعد فترة التَّمارين، واستأثر داوود بالجُزء الأكبر من هذا النِّقاش، فقال يومها تيمور: "إنَّه سيعود إلى القاهرة مُطمئنَّاً إلى أنَّ مسرحيَّته في أيدٍ أمينة"، ولم يُخطئ حدسه، فقد كان داوود هُو المُبرِّز حين عَرْضِ المسرحيَّة ).
المسرح لُغة الثَّقافة..
ويُتابع الفنَّان الرَّاحل نهاد قلعي شهادته، ويُضيف: ( إنَّ صُورة أُخرى جديرة بأنْ يُسلَّط عليها الضَّوء، هي أنَّه حين تقرَّر اعتماد اللُّغة العربيَّة الفُصحى، لتكون اللُّغة الثَّابتة لأعمال المسرح القومي، جرى التَّعاقد مع أحد الأساتذة المُختصِّين في اللُّغة العربيَّة، لتنظيم دورة مُكثَّفة لقواعد الصَّرف والنَّحو، تُساعد الضُّعفاء في اللُّغة من عناصر المسرح القومي، على الأداء السَّليم، وكانت دهشتي كبيرة حين رأيت داوود يعقوب، هو أوَّل المُنتظمين المُواظبين على حُضُور المُحاضرات والدُّرُوس، رغم أنَّه كان المرجع الَّذي نلجأ إليه من الزُّملاء، أثناء قراءة المسرحيَّات، أو عندما نختلف على كلمة ما، هل نُحرّكها بالفَتْح، أم بالضَّمِّ أو بالكَسْر؟ سألته يوماً عن سبب مُواظبته على الدُّرُوس وهُو ليس بحاجة إليها؟! فأجاب رحمه الله، "قد يدَّعي المرء أنَّه وصل إلى نهاية طريق يسلكه، باستثناء طريق العلم والمعرفة، إذ عليه أنْ يُتابع، مادام قادراً على السَّير، فليس لهذه الطَّريق من نهاية".
وفي شهادة الشَّاعر أحمد دحبور عن داوود يعقوب يقول:( إنَّ الدَّرس الثَّاني الَّذي تعلَّمته من داوود في المسرح، فقد كان الرَّاحل مُغرماً بمسرحيَّة "العادلون" لألبير كامو، ولمَّا قُلت له: إنَّه وقع عليَّ الاختيار ذات يوم، في فرقة مدرسة الغسَّانيَّة الثَّانية بحمص لدور "يانك"، أضاءت دهشة في وجهه الطُّفولي الأسمر، وهو يقول: هذا الدَّور الَّذي أحبُّ أنْ ألعبه، ولكنْ؛ كيف فهمت
شخصيَّة يانك؟
ولم يكن يخطر لعُمري الطَّري آنذاك أنَّ شخصيَّة ما في مسرحيَّة تحتاج إلى فهم من المُمثِّل، فقد كُنت أظنُّ ذلك من اختصاص المُؤلِّف، وفي أحسن الحالات من اختصاص المُخرج، وإذا بهذا المُذيع العجيب يُفاجئني بعلم قائم بذاته .. اسمه "علم التمثيل" ، ويوجع رأسي بأسماء من نوع بريخت.. وستانسلافسكي .. وهكذا تتلازم عناصر اللُّغة، والثَّقافة، والمعرفة، عند داوود يعقوب، وهو الَّذي لم يدرس أكاديميَّاً لا اللُّغة ولا المسرح، وإنَّما التَّثقيف الذَّاتي، والدَّأب المُستمر على التَّطوُّر، ما سيفسح المجال أمامه في خطواته اللاَّحقة).
داوود المُمثِّل والنَّاقد المسرحي..
كان لداوود يعقوب شرف الإسهام في تأسيس المسرح القومي السُّوري، وقد كان يعمل يومذاك، وباختيار من الفنَّان الكبير المرحوم صبري عيَّاد في مسرحيَّات "الحصاد"، و"صرخة دمشق"، وغيرها، حينها كان الدُّكتور رفيق الصَّبَّان مُكلَّفاً بتأسيس المسرح القومي؛ حيثُ رأى الفنَّان داوود يعقوب، واستدعاه بعد أنْ لفت نظره أنَّ داوود كان يقرأ "أوديب" وتناقش معه مُطوَّلاً حول أوديب وكامو، وبريخت، فاختاره للمسرح القومي، في التَّأسيس والتَّمثيل إلى جانب الفنَّان نهاد قلعي، مع أنَّ السَّاحة الفنِّيَّة تزخر بالفنَّانين، فلسطينيِّيْن وسُوريِّيْن، أمثال: الفلسطيني الرَّاحل مُحَمَّد صالحيَّة المُذيع والفنَّان المسرحي والتِّلفزيوني، وكذلك الفنَّان الرَّاحل يعقوب أبو غزالة، ، والفنَّان الرَّاحل يُوسف حنَّا ، رحمهم الله، والفنَّان بسَّام لُطفي كان لَهُم باعٌ طويل في المسرح السُّوري، ومن بدايته، وخاصَّة مسرح القبَّاني، إلى جانب أشقَّائهم من الفنَّانين السُّورييْن أمثال: عدنان بركات، والفنَّان عبد الرَّحمن آل رشي، والفنَّان أسعد فضَّة وغيرهم، كما كانت دمشق كما هي دوماً عاصمة ترتادها النُّخب الثَّقافيَّة من البُلدان العربيَّة.
كان لعمل داوود يعقوب في المسرح القومي، وفي مسرحيَّات، "العادلون" لألبير كامو، و"المُزيَّفون" لمحمود تيمور، و "الخُرُوج من الجنَّة"، و "براكس" لتوفيق الحكيم، و "ثمن الحُرِّيَّة" لمانويل روبنسن، دوراً بارزاً في تطوُّر وعيه وفهمه للمسرح والعمل المسرحي كعمل إبداعي، فقد تطوَّر وعيه لمُستوى رُؤية المسرح بعين النَّاقد، وليس بعين المُمثِّل فحسب، ففي مُقابلة أجرتها معه صحيفة "الفجر" الإماراتيَّة يوم 15/11/1980، وأجراها معه الصَّحفي وجدي راتب، قيَّم داوود يعقوب المسرح في سُورية بقوله:
(المسرح السُّوري حديث، تمتدُّ جُذُوره إلى أبي خليل القبَّاني، ثُمَّ مرَّ نُصف قرن من الانقطاع بعد رحيل القبَّاني إلى مصر، وعاد في الثَّلاثينيات ضائعاً بين الكوميديا المُرتجلة والفارس، حتَّى بداية السِّتِّينيات، عندما بدأ المسرح القومي يتقدَّم بالأعمال العالميَّة، والعربيَّة ضمن أطر تشكيليَّة لعبت دوراً كبيراً في جذب المُتفرِّجين إليه، واستمرَّ تقدُّم المسرح السُّوري حتَّى عام 1967، ثُمَّ بدأت عمليَّة التَّوقُّف، فعمليَّة الانحدار، باستثناء قلَّة من الأعمال الَّتي تعدُّ على أصابع اليد الواحدة.
وخلال رحلته القصيرة هذه، لم يستطع المسرح السُّوري أنْ يخلق الكاتب المسرحي، وبقيت ـ ظاهريَّاً ـ مُشكلة النَّصِّ هي المُشكلة الأُولى، بينما الحقيقة أنَّ المُشكلة أكبر من المسرح لأنَّها تعكس الواقع العربي الرَّاهن، بالإضافة إلى أنَّ الأعمال التَّلفزيَّة خارج سُورية، استهوت الفنَّان السُّوري لسببَيْن، أوَّلهما رغبة في الانتشار، وثانيهما رغبته في تأمين مُستوى معيشي جيِّد، وهُو بالتَّالي؛ ودُون أنْ يدري أصبح فنَّاناً مُستهلَكاً في دوَّامة الأعمال الَّتي لا يُتاح له فيها أنْ يختار).
وعن المسرح السِّياسي يقول: ( أُؤمن بوُجُود مسرح سياسي، ولا أعتقد أنَّ كُلَّ عمل مسرحي هو عمل سياسي له خطوط ومعالم واضحة ، ولعل بريخت خير مثل على هذا المسرح والإنسان العربي بحاجة إلى المسرح السِّياسي، وهو بالتَّأكيد مسرح تعليمي بشرط أنْ يتخلَّى عن فَوْقيَّته أمام المُشاهد، وأنْ يكتفي بتحريك عقل المُشاهد، ولابُدَّ من التَّحذير هُنا من مسرح الامتصاص الَّذي يرتدي هذه الأيَّام لُبُوس المسرح السِّياسي، فيُؤدِّي إلى تنفيس المُشاهد بدلاً من شحنه).
 ولداوود يعقوب رأي في الأعمال التَّاريخيَّة،فيقول: ( يجب ألا نحدِّد موقفاً معادياً من الأعمال التاريخية) و( أعتقد أنَّنا أحوج ما نكون في هذه الفترة إلى الارتباط بجُذُورنا المُتمثِّلة بتُراثنا العربي، إذا عرفنا كيف ننتقي من هذا التُّراث، ممَّا يتقبَّله العقل المُعاصر، بعيداً عن الخُرافات والأساطير، وأفضل مثال لذلك "عنترة" لمحفوظ عبد الرَّحمن ، و"عُروة بن الورد"، و"الخنساء" للدَّكتور وليد سيف، وأقول: إنَّ عنترة كان تجسيداً واضحاً لفرض الحُرِّيَّة الفرديَّة، والمُطالبة بالحُرِّيَّة الجماعيَّة).
لم تكن موهبة داوود يعقوب، وثقافته الأدبية والفنِّيَّة عُمُوماً، والمسرحيَّة خُصُوصاً، محدودة عند كونه مُمثِّلاً يتقمَّص الشَّخصيَّة ويُجسِّدها في العرض على ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دعوة لحشد الطاقات العربية والدولية لاستعادة القرار الأممي رقم [3379]

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 20 تشرين الأول 2009 الساعة: 19:23 م

دعوة لحشد الطاقات العربية والدولية
لاستعادة القرار الأممي رقم [3379]

(القاضي بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العرقي)

بقلم : أوس داوود يعقوب

   
بعد الانتصار الأخلاقي لدماء الشهداء ، اثر التصديق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، يوم 16 الشهر الجاري على إحالة تقرير لجنة القاضي اليهودي الجنوب أفريقي، ريتشارد غولدستون حول الحرب الصهيونية في قطاع غزة وإحالته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ، سعياً لمحاكمة جنرالات وساسة الكيان الصهيوني على اختلاف انتماءاتهم، بتهمة اقتراف جرائم حرب ضد الفلسطينيين ، بعد زمن طويل يمتد إلى نحو اثنين وستين عاماً، منذ أن تسبب الصهاينة بالنكبة الفلسطينية عبر سياسات الإرهاب والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية .
وأمام المشهد الإرهابي العنصري الصهيوني اليومي والمتجدد دوماً ، فإننا لا نجد أمامنا سبيلاً ، من موقع المسؤولية الوطنية والواجب الثوري ، إلا الدعوة لحشد كل الطاقات الفلسطينية والعربية والدولية لاستعادة القرار الأممي رقم 3379 ، الصادر في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1975 ، والقاضي بأن (الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العرقي) ، والذي صدر رغم المعارضة الأميركية والصهيونية الشرسة ، والقاضي بـ :( اعتبار الصهيونية وجها من أوجه العنصرية ، ومن ثم إدانة كافة الممارسات العنصرية التي يقوم بها الكيان الصهيوني في فلسطين باعتبارها – أي [إسرائيل] – هي التجسيد المادي للحركة الصهيونية ، حيث إن الصهيونية تشكل أسوأ أنواع العنصرية وأبشع أشكال التمييز العنصري ، من منظور أن ما تهدف إليه الحركة الصهيونية بصفة عامة هو إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وتحقيق ذلك عملياً يتوقف على طرد الشعب الفلسطيني وتصفية وجوده على أرضه ووطنه . فالحركة الصهيونية ، حركة عنصرية تؤمن بوحدانية العنصر وترمي إلى تجميع اليهود في فلسطين وتصفية وجود كل ما هو غير يهودي فيها . مستنداً إلى العديد من القرارات الدولية في مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بهدف القضاء على كل أشكال التمييز العنصري).
    صمت رسمي عربي مريب !!
هذا القرار الذي انقلبت عليه الولايات المتحدة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وهيمنتها القطبية الآحادية ، حين تمكنت في السادس من كانون الأول/ ديسمبر 1991 من إلغاءه ، بتأييد 111 دولة ، ومعارضة 25 دولة وامتناع 13 أخرى . وأصدرت الجمعية قراراً جديدا يحمل الرقم 46/86 لعام 91 ، يصبح معه قرارها الأول لاغياً .
وقد جاء إلغاء القرار نتيجة تلويح أميركي بالمقايضة مع سلام عادل ، ينتج عن مؤتمر مدريد عام 1991، مع أن دولة الاحتلال كانت لا تزال ترسخ أمام مرأى ومسمع العالم نظام فصل عنصري.
ومن الأهمية بمكان رصد حقيقة أن مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ، دانييل مونيهان ، وقف اثر إصدار القرار رقم 3379 ، ليعبر بلغة غير مألوفة ولا معهودة داخل المنظومة الدولية ، عن سخط حكومته على قرار إدانة الصهيونية بالعنصرية والتمييز العنصري خاصة بعد انتهاء عملية التصويت وفشل آليات التهديد والوعيد الأخرى للحيلولة دون صدور القرار ؛ حيث قال : ( إن الولايات المتحدة الأمريكية تنهض لتعلن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمام العالم أنها لم تعترف ولن تلتزم ولن ترضخ لهذا العمل المشين . . إن شراً عظيماً قد أطلق على العالم . . إن الاقتراح الذي أقرته الجمعية العامة بقرارها أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري . . إنها لأكذوبة . . ولكنها أكذوبة أعلنتها الأمم المتحدة على إنها حقيقة . . ولكن الحقيقة الصحيحة يجب أن يعاد إثباتها ) .
ويوم إلغاء هذا القرار صرح  ديفيد ليفي ، وزير الخارجية الصهيوني ، ( أن الحركة الصهيونية هي حركة تحرير وطني تنشد العدالة والتقدم ، وواحدة من المقاتلين من أجل تقديم نموذج صالح للأمم المتحدة ). والحقيقة طبعاً خلاف ذلك ، لأن الحركة الصهيونية حركة كولونيالية ، استيطانية ، احلالية ، تلغي حقوق الفلسطينيين أهل البلاد الأصليين ، كما أن في كل تاريخ الكيان الصهيوني ، ومن واقع الممارسة ، كانت الحركة الصهيونية ضد حركات التحرير الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية . وتحالفت مع كل الديكتاتوريات العسكرية ، ومع حكومات التفرقة العنصرية ، و(بارونات المخدرات)  .
أما الموقف العربي من إلغاء القرار آنذاك ، فقد تميز بصمت مريب، والأمر الخطير في هذا السياق أنه تم في الأثناء تشكيل لجنة في الأمم المتحدة لتنقية جميع القرارات الأممية المتعلقة بإدانة الصهيونية وإلغائها ، بعيد توقيع اتفاقيات أوسلو المذلة في 13 أيلول/سبتمبر 1993، وقد شارك العرب بصمتهم وإذعانهم مشاركة فعالة في ذالك، وللأسف الشديد ، شارك في جهود تلك اللجنة المندوب الدائم لفلسطين في الأمم المتحدة ، آنذاك ، ناصر القدوة.


ومنذ كانون الأول/ ديسمبر 1991 ، وإصدار الجمعية العامة للمنظومة الأممية ، القرار رقم 46/86 لعام 91 ـ اللاغي للقرار رقم 3379 ـ لم يتم على الصعيد الرسمي أبداً ، في نطاق المنظمات الدولية، البحث في موضوع إحياء ذلك القرار ، الذي يصح وصفه بأنه أخطر قرار في تاريخ النضال العربي ضد الصهيونية، بل وفي مجمل تاريخ الصهيونية منذ عقدها مؤتمرها التأسيسي الأول عام 1897 في مدينة بال بسويسرا. وذلك بالاستناد لمواثيق وقرارات الشرعية الدولية ومعاهدات جنيف الأربعة والتي تشكل العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني وشرعة حقوق الإنسان .


ورغم وعد الرئيس الأميركي باراك أوباما بالتعاون مع الأمم المتحدة في مكافحة العنصرية إلا أن الولايات المتحدة استبقت انعقاد مؤتمر (دوربان-2-) بالإعلان عن مقاطعتها له ، مبررة مقاطعتها بحجة توجه الدول الإسلامية خلال المؤتمر نحو إدانة (إسرائيل) وسياساتها العنصرية، فغابت الولايات المتحدة رسمياً، لكنها حضرت بقوة خلف الكواليس وبين جنبات المؤت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسرار مراوغات (لاعب النرد) مع الموت

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 18 تشرين الأول 2009 الساعة: 22:26 م

حكاية شاعر فلسطيني أعار إيقاعه لمأساة شعبه فبقي يرصد رحيل الشهداء ويحرسهم
 

بقلم : أوس داوود يعقوب


خمسة وعشرون عاماً هي المسافة الزمنية الفاصلة بين إصابة محمود درويش بالذبحة القلبية الأولى وبين مواراته الثرى في تراب رام الله إثر العملية الجراحية التي أودت بحياته.
وقد كان درويش في عامه الأخير، يدرك أن مواجهته مع الموت قد دنت. وكان كمن يريد تأجيل مواجة يشعر أنها قد تكون نهائية وقد تكون خاسرة، أو كان كمن يريد أن يستعد لهذه المواجهة، وهو مدجج بمزيد من الشعر.
وفي عمله الأخير الذي ظهر إلى العلن بعد رحيله ( لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي ) ، تطالعنا وقائع اللحظات الأكثر قساوة من حياة درويش ، فهو يكمل ما بدأته (الجدارية) من تفاصيل المواجهة الضارية بين الشاعر والموت.
وإذا كانت رائعة محمود درويش الجارحة المودعة (لاعب النرد) المكتوبة في الأصل تحت هاجس كونها القصيدة الأخيرة ، هي أقرب ما تكون إلى البيان الشعري الختامي وبخاصة من خلال خاتمتها المؤثرة التي بدا سطرها الأخير (مَنْ أنا لأخيب ظن العدم) تراجعاً واضحاً عن صرخته السابقة (هزمتك يا موت الفنون جميعها).
ورغم أن البعض رأى أن درويش لم يعلن اليأس في هذه القصيدة ، لأنه لم يتكلّم عن الموت بل عن العدم. و بحكم معرفته بأن للنصوص حياة خاصة، تستمر بعد أصحابها، وأن الكينونة بالمعنى الفيزيائي مرشحة للعدم، ولا أحد يمكنه التحايل على ما هو عكس الوجود. و في ظل كينونة مرشحة لعدم لم يعد من الممكن تأجيله، حتى عن طريق صدفة غير متوّقعة . وأن درويش لا يستعيد في النص المفارقات الصغيرة، والمصادفات الكثيرة في حياته، في ظل ما يشبه النشيد الجنائزي، بل ينظر إليها بقدر كبير من حس الفكاهة كأنها تخص شخصاً آخر.
ففي مطلع القصيدة يتكلّم محمود درويش عمّا ورثه من العائلة، فيعدد ست صفات من بينها أمراض القلب. وهي حقيقة يعرفها كل من عرفه عن قرب. فإلى جانب معاناته الخاصة مع أمراض القلب، عانى اثنان من أخوته من مشاكل في القلب، ويبدو أن المشكلة جينية بالفعل.  أما المصادفات الأخرى، فتتعلّق بما يحدث للفرد، الذي يجد نفسه، فجأة، ضحية تحوّلات تاريخية، غالبا ما تصنع المصائر الفردية، بطريقة لا تنسجم بالضرورة مع ما يريده في الأحوال العادية. وبقدر ما يتعلّق الأمر بالطفل الذي كان في السابعة من عمره في العام 1948، فإن ما حدث آنذاك يمثل اللحظة التي تغيّرت فيها حياته مرّة واحدة وإلى الأبد.
ولكن اللافت في هذا السياق هو أن إحساس الشاعر بالموت لم يكن يقينياً بما يكفي لكي يحصر قصائده الأخيرة بفكرة العدم وحدها، لذلك فقد وسّع شبكة اهتماماته ليقارب أموراً مختلفة تتعلق بالحب والهوية والمكان والعلاقة بالآخر، كما برثاء الأحبة والأصدقاء مثل إميل حبيبي و نزار قباني.


•     كتب أجمل قصائده ومقالاته في رثاء أحبته من شهداء فلسطين والأمة العربية


توقف محمود درويش عند لحظة الموت منذ بداياته الشعرية، حيث أعار إيقاعه لمأساة شعبه فبقي يرصد رحيل الشهداء وظل يحرسهم من هواة الرثاء.
و لم يستطع أصدقاء درويش والمقربون منه ، أن يتمالكوا أنفسهم ، ويكتمون خوفهم ورهبتهم حين تداولوا ديوان ( أثر الفراشة) ، إنتاجه قبل الأخير، كان الجو العام الذي تركته النصوص في هذا الديوان وكأن شاعرنا ؛ بوصلة إحساسنا الوطني ؛ يرثي نفسه وبذلك يرثي قضيتنا الفلسطينية ويدخل حقبة جديدة من اليأس.
وشعر المقربون منه بعد قراءة نصوص (أثر الفراشة) بالقلق حين تمعنوا في  قصيدته  (أنت منذ الآن أنت) التي تختم الديوان وتصف رحلته إلى الكرمل في قوله :
 ( لم أَرَ جنرالاً لأسأله: في أي ّ عامٍ قَتَلتَنِي ؟
 لكني رأيت جنوداً يكرعون البيرة على الأرصفة.
وينتظرون انتهاء الحرب القادمة، ليذهبوا إلى
 الجامعة لدراسة الشعر العربي الذي كتبه موتى
لم يموتوا . وأنا واحد منهم! )
ولعل قصيدة (أثر الفراشة) هي القصيدة التي يريدنا محمود أن نتذكر تجربة حياته بواسطتها ، فهو أخ الفراشة وتلميذها ، وهو اللاجئ الذي يتنقل من زهرة إلى أخرى ليبقى أثره هناك ويساهم في عملية استمرار الحياة لغيره بمساعدة الأزهار على عملية اللقاح. فرغم أننا نجد في جميع نصوصه بأن ما يكتبه إنما هو فكر يلخص تجربة شعب لاجئ. والفكر لا يرى ولكنه لا يزول.
و يرى الناقد فخري صالح أن في شعر درويش ( تعبيراً عن الروح الفلسطينية المعذبة الباحثة عن خلاص فردي ـ جماعي من ضغط التاريخ والجغرافيا).
مضيفاً :(إن درويش ربط حكايته الشخصية مع الموت بأرض فلسطين، حيث يدور بينه وبين السجان حوار عن الحاضر المسكون بالماضي وعن السجان السجين)، ويتابع صالح :(إن شبح الموت لا يستطيع محو الحكاية المركزية.. حكاية الشاعر الفلسطيني المقيم في سفره الطويل).
 وقد حاول درويش في رحلة حياته أن يرسم في كثير من شعره ونثره صوراً قلمية للأحبة و رفاق الدرب و الأصدقاء .. كما حدثنا في مراثيه عن حكايات الأيام ، مع الوجوه التي عرفها وآنسه وجودها ، ورافقته دروب النضال والعطاء و الإبداع  ، تلك الحكايات التي تثير في النفوس أشجان الحزن على فراق شهداء فلسطين الكبار ، وفراق أحبته من صناع التاريخ العربي المعاصر.
شهداء فلسطين والأمة العربية الذين كانوا أحبته ، وكتب أجمل قصائده ومقالاته فيهم بدءاً من غسان كنفاني مروراً بكمال ناصر و راشد حسين و ماجد أبو شرار و عز الدين قلق و خليل الوزير و معين بسيسو و إميل حبيبي و إبراهيم أبو لغد و فدوى طوقان و ادوارد سعيد و إسماعيل شموط و توفيق زياد و سليمان النجاب و ياسر عرفات . وصولاً إلى الكبار من أبناء أمتنا العربية من قادة وشعراء وكتاب ومفكرين أمثال الزعيم جمال عبد الناصر والشعراء أمل دنقل و صلاح جاهين و عاصي الرحباني و محمد الماغوط و ممدوح عدوان و المفكر اللبناني الشيخ حسين مروة و الدبلوماسي التونسي حمّادي الصيد و الكاتب الصحفي جوزيف سماحة و شهيد الكلمة الحرة سمير قصير.
وقد كتب درويش عن ميتات محبيه وأصدقائه ، الذين سبقوه ، كما لم يكتب أحد ، وسألهم أن لا يموتوا وان ينتظروا سنة واحدة فقط: (سنة أخرى فقط تكفي لكي اعشق عشرين امرأة وثلاثين مدينة).
وكان وهو يكتب قصيدته هذه كأنه يرسم صورة للموت المرتبط بالمقاومة والأرض والهوية ويربي الأمل للوصول إلى الحياة الأجمل.
كما كان مؤمناً أن (الموت ضربٌ من الغدر) ، قال مرة في رثاء له للدبلوماسي والمثقف التونسي حمّادي الصيد ، وكونه لاعبًّ الموت وتهربًّ منه مرًّتين ، قال: ( أما الموت فلا شيء يهينه كالغدر: اختصاصه المجرّب).
هل طلب محمود ( سنة أخرى فقط ) في حجرة العمليات التي أقلّته إلى موعده كما قال في كتابه (في حضرة الغياب): ( فلأذهب إلى موعدي فور عثوري عل قبرلا ينازعني عليه أحدٌ من أسلافي) .


•     في مرحلة الطفولة علّمه اضطهاد الصهاينة بأنّ الشعر قد يكون سلاحاً  

          
يوم السبت 9 آب (أغسطس) 2008 ، رحل كاتب الملحمة الفلسطينية الأكبر التي رافقته منذ تهجيره من قريته في شمال فلسطين وعودته إليها ، ثم أوديسته الطويلة بين البلدان والعواصم . نعم رحل سيد الكلام ، نجم فلسطين وزينة شبابها ، بعد رحلة طويلة من النضال و العطاء و الإبداع ،  بدأت في 13 آذار (مارس) 1941 ، يوم ولد محمود درويش في قرية (البروة) ، التي تقع مسافة 9 كيلومترات شرق عكا، وكان الابن الثاني في أسرة فلاّحية تتكون من ثمانية أفراد، خمسة أولاد وثلاث بنات. وقد عاش طفولة بريئة في أحضان هذه القرية الوادعة الواقعة على هضبة خضراء ينبسط أمامها سهل عكا.
 في سنّ السابعة ، توقفت ألعاب الطفولة ، كما يعبّر درويش في وصف ليلة النزوح من قريته ، تحت ضغط العدوان الصهيوني التي شنتها ، عصابات النازيين الجدد ، بهدف تفريغ قرى الجليل من الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين. ونراه يخبرنا عن تفاصيل تلك الليلة التي لا تنسى قائلاً : (إني أذكر كيف حدث ذلك… أذكر ذلك تماماً: في إحدى ليالي الصيف، التي اعتاد فيها القرويون أن يناموا على سطوح المنازل، أيقظتني أمّي من نومي فجأة، فوجدت نفسي مع مئات من سكان القرية أعدّو في الغابة. كان الرصاص يتطاير من على رؤوسنا، ولم أفهم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإرهاب صناعة صهيونية

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 18 تشرين الأول 2009 الساعة: 22:18 م

أبرز الحركات والجماعات والمنظمات الأصولية اليهودية والصهيونية ودورها الإرهابي في القرنين الماضيين

بقلم : أوس داوود يعقوب


تُعد سلسلة الانفجارات التي استهدفت حياة ثلاثة من رؤساء بلديات الضفة الغربية ( بسام الشكعة [ نابلس]، و كريم خلف [رام الله] ، و إبراهيم الطويل[البيرة]) في 2 حزيران / يونيو 1980 ، وبعد ذلك بسنوات طويلة اغتيال الإرهابي إسحاق رابين رئيس وزراء كيان العدو الصهيوني ، في 4 تشرين الثَّاني/نوفمبر 1995 ، برصاصات أحد عناصر جماعة (آيال) الصهيونية المتطرفة ، من أبرز الأحداث التي ركَّزت الانتباه على أهمية ظاهرة الحركات والجماعات والمنظمات الإرهابية الصهيونية. التي ُينسب إليها أيضاً الكثير من حوادث الإرهاب ، بدءاً من المجازر الجماعية ، وتقتيل الأطفال ، وسلسلة الاغتيالات الطويلة التي استهدفت قيادات وكوادرالعمل الوطني الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه ، والمحاولات المستمرة للاعتداء على المقدَّسات الدينية الإسلامية والمسيحية ، والإضرار بممتلكات المواطنين الفلسطينيين ، وقتل المدنيين العزل بأساليب عشوائية مثل الهجوم على الحافلات الفلسطينية إلى تسميم الطالبات الفلسطينيات وتدبير مخططات لإفقادهن القدرة على الإنجاب مستقبلاً ، وغيرها من أعمال القمع والتنكيل .
وفي مقالنا هذا نحاول ، قدر المستطاع ، استعراض أهم الحركات والجماعات والمنظمات الأصولية اليهودية والصهيونية الإرهابية في القرنين الماضيين : تأسيسها، ومظاهر أنشطتها، وأشكال حركتها، وأبرز رموزها ودعاتها، مع ملاحظة أن بعض هذه الحركات والجماعات والمنظمات قد اندثرت مع انقضاء المهمة التي أنشئت من أجل تحقيقها، والبعض الثاني ينشط من وقت إلى آخر ، أما البعض الآخر فلا زال يمارس نشاطاته بحماس ووضوح، ونظراً لطبيعة الدوافع التي تكمن خلف إنشاء هذه الحركات والجماعات والمنظمات فإن أغلبها مرشح لدور متعاظم في كل فترة تتصاعد فيها وتيرة المفاوضات الصهيونية ـ الفلسطينية في التعامل مع أهم وأعقد ثلاثة مواضيع في سياق التسوية السياسية الراهنة، وهي قضية المستوطنات التي أقيمت غصباً فوق الأراضي المحتلة عام 1967، وكذلك قضيتا القدس وحق العودة ، حيث يرى زعماء هذه الحركات والجماعات والمنظمات أنها قضايا محسومة لا نقاش فيها ، باعتبارها ، من وجهة نظرهم ، من صلب (أرض إسرائيل الكاملة) التي وعد بها الرب ( شعبه المختار) .
و لابد لنا من الإشارة هنا ، إلى أن مضمون ومساحة التهديد الفعلي لهذه الحركات والجماعات والمنظمات أكبر كثيراً من حدود الاهتمام الذي حظيت به، أو الدراسات الموضوعية التي خضعت لها، وقد ساعدها كونها مجهولةَ الهوية ، غائبةَ الملامح ، غائمةَ الصورة كثيراً في تأخير اكتشاف معالم خطورتها، وقد كشفت تقارير صهيونية وأمريكية عديدة ، أن هيئات عديدة في الحكومة والأحزاب السياسية والدينية والمؤسسات الصهيونية المختلفة داخل الكيان الصهيوني وخارجه متورطة في علاقات عميقة مع العديد من هذه الحركات والجماعات والمنظمات الإرهابية إلى حد المبادرة بتشكيل وإعلان بعضها من أساسه.
ولكن وقبل البدء في التعريف بهذه الحركات والجماعات والمنظمات اليهودية والصهيونية الإرهابية ، رأينا من الضروري تقديم تعريف لكلمة (الإرهاب) لغة واصطلاحاً . نظراً لما يثيره المصطلح من جدل واسع في العصر الحديث، بعد أن صار الأكثر تداولا في مجالات الإعلام والسياسة والعلاقات الدولية والثقافة وحوار الحضارات، فهو ذو جذر لغوي ينطوي على الخوف أو التخويف حيثما أريد توظيفه.


الإرهاب لغة واصطلاحاً :

•    الإرهاب في اللغة:


 خلت معاجم اللغة العربية القديمة من ذكر أصل لكلمة (الإرهاب)، وتضمنت الفعل رَهِبَ بمعنى خاف ، كما يلي:
ورد الفعل رَهِبَ في لسان العرب {رَهِبَ الرجل يرهب رهبة ورُهبا ورَهَبا ورهبانا خاف}.(ابن منظور، لسان العرب).
أما في محيط المحيط فقد ورد الفعل رَهِبَ بالكسر، يرهب رهبة ًورهبا بالضم ورَهَبا بالتحريك أي خاف. والاسم الرّهب، والرهبي، والرهبوت، والرهبوتي ورجل رَهبوت يقال (رهبوت خير من رحموت) أي لأن تُرهب خير من أن تُرحم. و الرهباء اسم من الرَهَب تقول: الرهباء من الله، والرغباء إليه ، وفي حديث الدعاء (رغبة ورهبة إليك) الرغبة الخوف والفزع (البستاني، محيط المحيط،1998 – 2006).
  كما تضمنت بعض المعاجم الحديثة المعنى اللغوي لكلمة (الإرهاب)، فجاء في المنجد أن الإرهابي من يلجأ إلى الإرهاب لإقامة سلطته. وكذلك الحال في المعجم الوسيط ورد أن الرهب هو الخوف والإرهابيون وصف يطلق على الذين ينتهجون سبل العنف لتحقيق أهدافهم السياسية.
وقد وردت كلمة رهب وما اشتق منها من تصريف أثني عشر موضعاً في القرآن الكريم… قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي﴾(40البقرة)
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾(82 المائدة)
﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ  عَظِيمٍ﴾(116الأعراف)
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾(154الأعراف)
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(31التوبة)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(34التوبة)
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي﴾(51 النحل)
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾(90 الأنبياء)
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾(32 القصص)
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾(27 الحديد)
﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾(13 الحشر)
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾(60الأنفال)
ومما تقدم من الذكر الحكيم يُلحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل كلمة (الإرهاب) بهذه الصيغة ، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من المادة اللغوية نفسها ، بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع ، وبعضها الآخر يدل على الرهبنة والتعبد .
إلا أن الآية (60) من سورة الأنفال المتعلقة بإعداد القوة لإرهاب العدو قد توحي بظلال
، قد يخالها البعض ذات صلة بمفهوم الإرهاب المعاصر ، إلا أن الكثير من الفقهاء وعلماء الدين يرون أن المتأمل يَلحظُ خلاف ذلك ، فالإرهاب ذُكر في هذه الآية من قبيل الردع لمنع القتال وهو ما عرف في العصر الحديث باستراتيجية التهيؤ بالقوة لحماية السلام ، بالإضافة إلى أنه خطاب موجه إلى الدولة المسلمة وليس لأفراد أو لجماعات.
 ومن الملاحظ أن مشتقات مادة (رهب) لم ترد كثيراً في الحديث النبوي الشريف. و عليه نستخلص أن (الإرهاب) يعني التخويف والإفزاع ، وأن (الإرهابي) هو الذي يُحدثُ الخوف والفزع عند الآخرين .
ولا يختلف هذا المعنى عما تقرره اللغات الأخرى في هذا الصدد ، فقد ورد في قاموس المورد أن كلمة (terror ) تعني: ( رُعب ، ذُعر ، هَول ، كل ما يوقع الرعب في النفوس ، إرهاب ، عهد إرهاب) ، والاسم (terrorism) يعني: )إرهاب ، ذعر ناشئ عن الإرهاب( ، و (terrorist) تعني: )الإرهابي( ، والفعل (terrorize) يعني:  يُرهب ، يُروِّع ، يُكرهه (على أمرٍ) بالإرهاب .
و قد وردت كلمة ( Terreur) في قاموس الأكاديمية الفرنسية المنشور عام 1694 بمعنى (رعب، خوف شديد اضطراب عنيف تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب). ويقدم قاموس الأكاديمية الأمثلة التالية للإيضاح (يقال مثلا: ألقى الرهبة بين الأعداء، نشر الرهبة في جميع الأمكنة التي يمر فيها، زرع الرهبة في كل مكان.كما يقال عند الكلام عن أمير كبير أو فاتح، انه يملأ كل شيء برهبة اسمه، وذلك للإشارة إلى أن اسمه يزرع الرعب في كل مكان).
أما التعريفات اللغوية لمفردة الإرهاب كما وردت في كتاب واقع الإرهاب في الوطن العربي للدكتور محمد فتحي:
1.    (استخدام الرعب خصوصا لتحقيق أغراض سياسية)،قاموس اكسفورد للغة الانجليزية.
2.    (الإرهاب هو مجموعة أعمال العنف التي ترتكبها مجموعة ثورية أو أسلوب عنف تستخدمه الحكومة)،القاموس الفرنسي لاروس.
3.    (الإرهاب هو الاستخدام المنظم لوسائل استثنائية للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي) ، قاموس اللغة روبير.
  ويرى البعض أن أسباب الربط بين الإرهاب والغرض السياسي، كون الإرهاب يتمثل في أعمال العنف المتبادلة بين السلطة والمنظمات الثورية المناهضة لها.
أما في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية فالإرهاب يعني (بث الرعب الذي يثير الخوف والفعل أي الطريقة التي تحاول بها جماعة منظمة أو حزب أن يحقق أهدافه عن طريق استخدام العنف، وتوجه الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص سواء كانوا أفراد أو ممثلين للسلطة ممن يعارضون أهداف هذه الجماعة) .
وقد ردت كلمة (إرهاب) في القاموس السياسي بمعنى (محاولة نشر الذعر والفزع لأغراض سياسية، والإرهاب هو وسيلة تستخدمها حكومة استبدادية لإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام لها، ومثالها التقليدي هو قيام حكومة الإرهاب إبان الثورة الفرنسية عام 1789 لأغراض سياسية، والإرهاب وسيلة تتخذها دولة تفرض سيادتها على شعب من الشعوب لإشاعة روح الانهزامية والرضوخ لمطالبها التعسفية أو تستخدم الإرهاب جماعة لترويع المدنيين لتحقيق أطماعها حتى تفرض الأقلية حكمها على الأكثرية).
وقد كانت أول عملية وصفت بالإرهابية في العصور الحديثية هي محاولة اغتيال القائد الفرنسي نابليون بونابرت عام 1800م.
أما تعريفه دولياً لأول مرة فقد كان من طرف (عصبة الأمم المتحدة ) عام 1937: (الارهاب عمل إجرامي يهدف بطبيعته إلى إثارة الرعب والخوف ، موجه لأشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو للعموم).


•    الإرهاب .. المصطلح السياسي :


اقترن المصطلح السياسي للإرهاب بالثورة الفرنسية وخاصة في الفترة(من 10/3/1793 عندما أعلن روبسبير بداية عهد الإرهاب أو الرهبة في فرنسا ومارسه على أرض الواقع ، حتى 27/9/1794). وقد عرفه قاموس وبستر (أسلوب للحكم أو لمعارضة الحكم من طريق التهديد). ويصف سيرجو بوسكيرو رئيس الحركة الملكية الايطالية ، الثورة الفرنسية بأنها : ( حركة معادية للشعب الفرنسي إبان قيامها إضافة إلى أنها أكبر مجزرة في التاريخ ، وعلى الأقل في تاريخ الشعب الفرنسي حيث قتلت 300 ألف إنسان ، وتعد الثورة الفرنسية منبع الإرهاب ، إذ ولدت ظاهرة الإرهاب من هذه الثورة ).
على أننا يجب أن نفرق بين ولادة ظاهرة الإرهاب واستخدامها كأسلوب للحكم ، وبين استخدام هذه العبارة كمصطلح ذو مدلول سياسي ، هو المتعارف عليه في الوقت الحاضر.
فالحالة الأولى قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ، وقد اختلفت صور الإرهاب باختلاف المراحل التاريخية التي مر بها. فمن إرهاب الأفراد إلى إرهاب الجماعات التي اتخذت من العنف وسيلة لإشاعة الخوف والفزع ، حيث ظهرت حركات إرهابية خارجة عن القانون والنظام السائد في المجتمع ، ثم إرهاب الدولة ودورها غير المباشر والمباشر فيه ، كإنشاء فرق خاصة بالاغتيالات وممارسة شتى صنوف التعذيب.
وبناء على ما تقدم فإن ما يدور على أرضنا في فلسطين المحتلة من عدوان وقمع وتنكيل وتدمير شامل للمدن والقرى الفلسطينية (نحو 500 قرية وبلدة ومدينة)، ومجازر جماعية دموية بشعة مروعة لم ينج منها حتى الطفل الفلسطيني الرضيع، وترحيل وتشريد ، واغتيالات ،  وأسر ، ومصادرة أراضٍ ، وعزل ، وبناء حواجز ، وعوازل كان آخرها بناء الجدار العنصري العازل ، وتطهير جماعي ضد الشعب الفلسطيني، الذي تحول كل أفراده إلى ضحايا لإرهاب الدولة الصهيونية الرسمي ، ولإرهاب المستوطنين والحركات والجماعات والمنظمات الأيديولوجية والسياسية المتطرفة على حدٍ سواء.

 

- جذور الإرهاب في فكر ونهج زعماء الصهيونية :


منذ عُقدًّ المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال عام 1897، وصاغ تيودور هرتزل مؤسِّس الحـركة الصهـيونية ( 1860-1904 ) شعارات الحركة الصهيونية (نحن شعب) ، و( فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يُنسَى ). ووضع خطة لتحقيق المشروع الصهيوني، وحوَّلها المؤتمر إلى برنامج سياسي، وقاد التحرك الصهيوني مع قوى الاستعمار الغربي وبخاصة في بريطانيا لتنفيذ هذا البرنامج. ووضعت الحركة الصهيونية نصب عينها بعد انعقاد مؤتمرها الأول القيام بمهام ثلاث هي: استعمار فلسطين، ومحاولة خلق شعب يهودي واحد متجانس، وإنشاء حركة تكون بمنزلة رأس الرمح في البرنامج الصهيوني الاستعماري.
وقد تضمَّن هذا البرنامج تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقاً لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، وصولاً إلى ( إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون.(
وفي نهايات القرن التاسع عشر تحوَّلت الصهيونية من فكرة إلى مشروع استيطاني استعماري على يد هرتزل الذي وُلدت معه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ، وتم تأسيس (المنظمة الصهيونية العالمية) .  
وقد لعب زعماء العدو الصهيوني بدءاً من (الجيل المؤسس) وصولاً إلى (الجيل الجديد) مروراً بـ (جيل بناء الكيان) دوراً بارزاً في تأسيس وتكوين الحركات والجماعات والمنظمات الأصولية المتطرفة والإرهابية ، ومن أبرز قادة الإرهاب هؤلاء مناحم بيجين (1913-1992(  الذي تولَّى قيادة فرع منظمة (البيتار) ، وعند وصوله إلى فلسطين عام 1942 وفي أواخر عام 1943 تولَّى قيادة منظمة (الإرجون) التي اشتهرت بمذابحها ضد المدنيين الفلسطينيين ، وإخراجهم قسراً من فلسطين. 
ويتفاخر أحد أبرز زعماء الإرهاب الصهيوني ديفيد بن جوريون (1886 (1973 – بسجله الإرهابي في هذه المنظمات قائلاً : ( كنا ننتظر مجيء الأسلحة ليلاً ونهاراً، ولم يكن لنا حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة، لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً… كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا).
والعنف عند بن جوريون يكتسب بُعداً خاصاً ويصبح غاية في حد ذاته، بل وسيلة بعث حضاري إذ يقول: (بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم ثانية). وعبارة بن جوريون مبنية على تصور جديد للشخصية اليهودية على أنها شخصية محاربة منذ قديم الأزل: (إن موسى أعظم أنبيائنا هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا) .
وكمحاولة لتحقيق هذه الأحلام حينما جاءت الساعة، بذل بن جوريون قصارى وسعه لإنشاء القوة العسكرية الصهيونية، فقد كان من المنادين بفكرة اقتحام الحراسة (والعمل والزراعة والإنتاج) وأسس لذلك جماعة (الحارس) ثم منظمة (الهاجاناه)، وكان من بين المنادين بتسليح المواطنين اليهود.
وعند تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، قام بن جوريون بحل المنظمات العسكرية الصهيونية كافة، مثل (الإرجون والبالماخ)، وضمها إلى (الهاجاناه) وحوَّلها جميعاً فيما بعد إلى ما سمي بـ(جيش الدفاع الصهيوني).
وأما الإرهابي إسحاق شامير (1915ـ    ) الذي يعد من (الجيل الجديد) ، فقد  بدأ حياته العسكرية عضواً في منظمة ( البيتار) قبل أن يهاجر من بولندا إلى فلسطين، و فور وصوله إلى فلسطين التحق بمنظمة (الهاغاناة) ثم بمنظمتي (الإرجون وشتيرن) المسؤولتين عن مذبحتي دير ياسين وبئر سبع، ونسف فندق الملك داوود . وقد اعتقلته سلطات الانتداب البريطاني مرتين، الأولى عام 1941 وتمكن من الهرب، والثانية عام 1946 حيث أرسل إلى معسكر اعتقال في إريتريا، وبعد أربعة أشهر تمكن أيضاً من الهرب والسفر إلى فرنسا وظل فيها إلى أن عاد إلى فلسطين عام 1948.  وبعدها عمل ضابطاً في جهاز الاستخبارات الصهيونية (الموساد) لمدة عشر سنوات(1955–1965).
كما أن اسم بلدوزر الإرهاب الصهيوني أرئيل شارون (1933 (  – الذي يعد من(الجيل الجديد) أيضاً ، لم يبرز إلا بعد عام 1948 كضابط في الوحدات الخاصة التي تعمل بإمرة الاستخبارات العسكرية الصهيونية للقيام بالأعمال الانتقامية ضد مخيمات اللاجئين والقرى الفلسطينية الحدودية حيث عهد بهذه الغارات إلى وحدة خاصة أُنشئت في آب/أغسطس 1952 وأطلق عليها اسم (الوحدة 101). وقد اختار شارون أفراد الوحدة بنفسه من مجرمين وأصحاب سوابق ولصوص وقتلة، فاتجه إلى قرية قبية التي تقع شمال القدس على بُعد كيلو مترين من حدود 1967، ثم طوقت قواته القرية وغمرتها بوابل من نيران المدفعية فدكت القرية دكاً على من فيها، ثم تقدم المشاة وأجهزوا على الباقين على قيد الحياة.

- أبرز الحركات والجماعات والمنظمات اليهودية والصهيونية المتطرفة في نهايات القرن التاسع عشر:


•    منظمة (التحالف الإسرائيلي العالمي) :


منظمة (التحالف الإسرائيلي العالمي) ، ومعناها بالعبرية (الأليانس إسرائيليت يونيفرسل( ، منظمة يهودية فرنسية توطينية تأسَّست عام 1860 في باريس بهدف (الدفاع عن الحريات المدنية والدينية للجماعات اليهودية وتنمية المجتمعات اليهودية المختلفة عن طريق التعليم والتدريب المهني وإغاثة اليهود في الأزمات). والواقع أن وضع فرنسا، باعتبارها الدولة المهيمنة في أوربا آنذاك، قد أهَّل قيادات الجماعة اليهودية في فرنسا لتأسيس وقيادة أول منظمة يهودية في العصر الحديث تعمل في مجال (الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية على المستوى العالمي). ومن ناحية أخرى، لعبت المنظمة دوراً مهماً في خدمة المصالح الاستعمارية الفرنسية، من خلال نشر الثقافة الفرنسية. وكان لآل روتشيلد في فرنسا دور بارز في هذا الاتجاه حيث عملوا على تحويل سياسات (الأليانس إسرائيليت) وعلى التأثير عليها وربطها بالمصالح الاستعمارية الفرنسية آنئذ. كذلك عمل أدولف كريمييه رجل الدولة الفرنسي اليهودي الذي ترأس المنظمة في الفترة(1863 ـ 1880)على توثيق التعاون بين المنظمة وبين الخارجية الفرنسية والسلطات الفرنسية في مستعمراتها.
وفي المجال السياسي، تدخلت (الأليانس إسرائيليت)  للدفاع عن حقوق يهود روسيا ورومانيا وبلجيكا والصرب. وكان أول إنجاز ناجح لها في ضمان الحقوق المدنية والدينية ليهود سويسرا عام1867. وفي مؤتمر برلين عام 1878، عملت المنظمة بالتعاون مع بعض المنظمات الأخرى على الدفاع عن حقوق يهود البلقان كما أهتمت بأوضاع يهود المغرب وتدخلت لدى سلطان المغرب في مؤتمر مدريد عام 1880 لتحسين أوضاعهم. وبعد الحرب العالمية الأولى، نشطت المنظمة في مؤتمر فرساي للسلام عام 1919 من أجل حقوق يهود رومانيا وبولندا والمجر وغيرها من الدول المُوقِّعة على معاهدات السلام، كما تدخلت لصالح يهود المغرب العربي ويهود فارس.
كذلك عملت (الأليانس إسرائيليت)  في مجال إغاثة ضحايا الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية من أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف أنحاء العالم. فساعدت ضحايا يهود شرق أوربا خلال مجاعة عام 1869، كما ساعدت ضحايا الهجمات في روسيا عام 1881 ثم في عامي ( 1903و1905). كما اشتركت في إغاثة ضحايا الحرب العالمية الأولى وضحايا المجاعة في روسيا عام 1922، كذلك ساعدت ضحايا الكوارث والاضطرابات الطائفية في كلٍّ من رومانيا والمغرب وتركيا ودمشق.
كما شاركت (الأليانس إسرائيليت) في تنظيم ومساعدة هجرة الجماعات اليهودية من شرق أوربا منذ عام 1869، وخصوصاً خلال الهجرة اليهودية الكبرى بعد عام1881، وأسست لجنة في مدينة كونيجسبرج لتنظيم عمليات الهجرة بالتنسيق مع منظمات يهودية أخرى. كذلك، اشتركت المنظمة في عدة مؤتمرات نظمتها المنظمات اليهودية لبحث إمكانات الهجرة والاستيطان في مناطق أخرى غير الولايات المتحدة.وقد تعاونت(الأليانس إسرائيليت) في مسائل الهجرة بشكل خاص مع جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا). وبحلول عام 1891، كانت المنظمة قد قررت إيقاف مساعداتها للاجئين اليهود حتى لا تشجع مزيداً من الهجرة.
ومن أهم مجالات نشاط (الأليانس إسرائيليت) ، المجالان الثقافي والتعليمي حيث أسَّست شبكة تعليمية واسعة في دول البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحققت تقدماً سريعاً في هذا المجال بفضل دعم البارون موريس دي هيرش الذي قدَّم للمنظمة عام 1874 مليون فرنك ذهب ثم عشرة ملايين فرنك ذهب عام 1889. وقد تأسَّـست أول مدرسة لها في مدينة تطوان بالمغرب عام 1862 لحقتها مدارس أخرى في طنجة (1869) ودمشق   (1865) وبغداد (1865) وطهران (1898) وتونس (1878) وفلسطين. كما أسَّست مدرسة حاخامية في إستنبول عام 1897 ومدارس في اليونان وبلغـاريا ورومانيـا والصرب. وفي عـام 1867، افتُتحت في باريس المدرسةالصهيونية الشرقية العليا لتدريب المعلمين، وقد وصل حجم الطلاب الملتحقين بمدارس (الأليانس إسرائيليت) عام 1914 نحو 48 ألف طالب. كما أرسلت المنظمة عدة بعثات لاستطلاع أوضاع يهود الفلاشاه في إثيوبيا عام 1868، وفي اليمن عام 1908. وقد أُغلقت أغلب مدارس (الأليانس إسرائيليت) في دول البلقان عقب الحرب العالمية الأولى ثم تركَّز نشاطها التعليمي منذ ذلك الحين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط . وقد واجهت هذه المدارس معارضة من الجماعات اليهودية في هذه البلاد التي كانت تخشى تأثير التعليم الغربي العلماني على الحياة اليهودية التقليدية. وبالفعل، لعبت هذه المدارس دوراً مهماً في نشر الثقافة الفرنسية بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، وخصوصاً في دول المغرب العربي التي خضعت للاستعمار الفرنسي.
وقد كان للمنظمة نشاط مهم في فلسطين بدأ منذ عام 1867 حيث بدأت في تأسيس سلسلة من المدارس الابتدائية في القدس وحيـفا ويافا وصـفد وطبرية تقـدم تعليماً فرنسياً علمانياً ودينياً. وفي عام 1870، تم تشييد مدرسة (مكفاه إسرائيل الزراعية) بدعم من هيرش وإدموند دي روتشيلد كما فُتحت بعدها ، بعدة سنوات ، مدرسة في القدس لتدريب اليهود على المهن. وقد كان التدريس يتم باللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغة العبرية. ومما يُذكَر أن مدارس المنظمة في فلسطين هي التي أتاحت الفرصة أمام إليعازر بن يهودا، أبو اللغة العبرية الحديثة، لتطبيق أساليبه الجديدة في تدريس العبرية. وقد اهتمت المنظمة أيضاً بفتح المدارس الثانوية، وكانت أكبرها في حيفا وحملت اسمي إدموند وموريس دي روتشيلد. ومما يُذكَر أن مؤسسي وقادة (الأليانس إسرائيليت)  كانوا في بادئ الأمر معارضين للعقيدة الصهيونية، وذلك برغم رفضـهم للاندمـاج (الذليل) الذي يُلغي تمـاماً أية هـوية أو أي انتماء يهودي، ومن ثم تركيزهم على التعليم والتدريب للحفاظ على شخصية اليهود وتحسين أحوالهم. وقد اتهم ديفيد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1911 ممثلي (الأليانس إسرائيليت) بالمشاركة في الحركات المناهضة للصهيونية بين الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، كما تبنَّى سيلفيان ليفي الذي أصبح رئيساً للمنظمة عام 1920 موقفاً معادياً للصهيونية في مؤتمر فرساي للسلام عام 1919. وقد كانت (الأليانس إسرائيليت) تتعاون في نشاطها مع المنظمات اليهودية الأخرى المعارضة للصهيونية مثل الجمعية الإنجليزية اليهودية. أما في أعقاب الحرب العالمية الثانية فقد اتخذت اللجنة المركزية لمنظمة (الأليانس إسرائيليت) موقفاً مؤيداً للأهداف الصهيونية في فلسطين وطالب رئيسها رينيه كاسين (عام 1947) لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين السماح لليهود بالهجرة الواسعة واستغلال وتنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وبرغم أن المنظمة لم تدخل في صراع مباشر ضد العرب الفلسطينيين لأن نشاطها لم يأخذ شكلاً سياسياً مباشراً إلا أنها ساعدت على تحقيق الأهداف السياسية للحركة الصهيونية وذلك بشراء الأراضي في فلسطين وتحويل عديد من صغار الملاك العرب إلى أجراء والإسهام في استيعاب المهاجرين اليهود من شرق أوربا في مستوطنات زراعية.
ومع تنامي حركات التحرُّر الوطني في العالم العربي واشتداد الصراع حول فلسطين، أصبح وضع (الأليانس إسرائيليت) في هذه البلاد حرجاً. ومع الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني عام 1948 ، ثم حصول دول المغرب العربي على استقلالها من فرنسا وما أعقب ذلك من هجرة أغلب أعضاء الجماعات اليهودية من المنطقة العربية خلال الخمسينيات متجهين سواء إلى فلسطين المحتلة أو إلى فرنسا أو غيرها من الدول، أُغلقت أغلب مدارس (الأليانس إسرائيليت) في العراق وسوريا ومصر، كما تقلَّص عددها في دول المغرب العربي. أما في فلسطين المحتلة، فقد أصبحت مدارس (الأليانس إسرائيليت) خاضعة للنظام التعليمي الصهيوني وأصبحت لغة التدريس فيها العبرية.
وقد زادت المنظمة من اهتمامها خلال الستينيات بالعمل داخل فرنسا، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من يهود المغرب العربي هاجروا واستقروا بها، كما تحتفظ بمكتبة مهمة في باريس تضم أكثر من 30 ألف مجلد وعدداً من المخطوطات النادرة.


•    منظمة (التحالف الإسرائيلي في فيينا) :


منظمة (التحالف الإسرائيلي في فيينا) ، ومعناها بالعبرية (الأليانس إسرائيليتش ذو فين( ، منظمة يهودية تأسَّست في فيينا عام 1873 ، بهدف الدفاع عن الحقوق المدنية والدينية للجماعات اليهودية وتنمية مجتمعاتهم من خلال التعليم. وكان مقرراً في بداية الأمر أن تعمل هذه المنظمة كفرع لمنظمة (الأليانس إسرائيليت) في باريس ولكنها تأسست كمنظمة مستقلة بسبب رفض السلطات النمساوية التي كانت ترتاب في نوايا (الأليانس).
من أبرز مؤسسيها وأول رئيس لها جوزيف فون فيرتهايمر. وقد اهتمت هذه المنظمة بمساعدة يهود رومانيا والصرب، واشتركت في إغاثة ضحايا الحرب الروسية التركية اليهود (1877)، كما أيدت (الأليانس إسرائيليتش) في جهودها للحصول على الحقوق المدنية ليهود البلقان وتبنت قضيتهم خلال مؤتمر برلين عام 1878. كذلك اشتركت المنظمة في تنظيم هجرة يهود روسيا بعد أحداث عامي 1881 و1882 وهجرة يهود رومانيا الكبرى في الفترة بين عامي 1900 و1902، ونظمت عمليات الإغاثة ليهود روسيا بعد أحداث كيشينيف عام 1903. وقد قامت المنظمة بهذه الأنشطة بالتعاون مع جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا). كذلك اهتمت المنظمة بمحاربة معاداة اليهود (خصوصاً تهمة الدم)، كما أقامت مؤسسات تعليمية في جاليشيا وبوكوفينا.  وخلال الحرب العالمية الأولى، اشتركت (الأليانس إسرائيليتش) في إغاثة ضحايا الحرب من اليهود (أكثر من 100 ألف لاجئ من جاليشيا على وجه الخصوص). وبعد الحرب، شاركت المنظمة في تنظيم الهجرة اليهودية عبر الأراضي النمساوية.
وقد تمت تصفية منظمة (الأليانس إسرائيليتش) عام 1938 بعد ضم ألمانيا النازية للنمسا.


•    جمعية (فرســان الهيــكل):


جمعية استيطانية صهيونية ذات ديباجة مسيحية ، لعبت دوراً كبيراً في إنشاء العديد من المستوطنات منها : مستوطنة يافا (1869) و مستوطنة سارونا على طريق تل أبيب ـ يافا (1871)، و مستوطنة ريفايم (1872) التي صارت مقر إدارة الجمعية (1878)، و مستوطنة فالهالا (1892)، و مستوطنة فيلهلما (1902). وقد اشتقت الجمعية اسمها من جماعة فرسان الهيكل الأولى، وهم جماعة من الفرسان الرهبان ظهروا في فلسطين عام 1118 بعد وصول حملات الفرنجة لأرض الشام بما لا يزيد على عشرين عاماً، وكوَّنوا جماعة وظيفية قتالية استيطانية في العالم الإسلامي، وجماعة وظيفية مالية وسيطة في العالم الغربي. وقد كانت العلاقة بين العالم المسيحي في العصور الوسطى وجماعة فرسان الهيكل علاقة نفعية. وقد دخل الفرسان صراعاً مع كل من الكنيسة والسلطة الزمنية، لكن كلاًّ منهما تَحمَّل استقلالية الفرسان على مضض طالما كانت ثمة وظيفة لهم. وبانتفاء الغرض الذي قامت من أجله جماعة فرسان الهيكل، ومع فقدانها وظيفتها بعد سقوط عكا في يد المسلمين عام 1292، لم يَعُد هناك مجال للاستمرار في العلاقة فهجمت السلطة الزمنية (بتشجيع من الكنيسة) على الفرسان واتهمتهم بالهرطقة وقامت بتعذيبهم ومصادرة أموالهم وتشريدهم وقُتل رئيسهم جاك دي مولاي عام 1312 بأمر من فيليب الجميل ملك فرنسا وبمباركة من البابا كلمنت الخامس، واستولى فيليب الجميل على ثروة فرسان الهيكل وتمكَّن من إضعاف سلطة النبلاء وتقوية الدولة.
وتعود جمعية فرسان الهيكل الحديثة إلى حركة الأتقياء التي ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر كحركة إصلاحية في الكنيسة الإنجيلية أكدت دراسة الكتاب المقدَّس وأكدت الإلهام الديني المباشر والذاتي. وقد استمرت هذه الحركة حتى القرن 19 وتركزت حول تيوزوفن بنجل الذي بشَّر بقيام ( مملكة الرب وعودة المسيح إلى الأرض ) في أعقاب كوارث مريعة سببها الابتعاد عن الروح المسيحية. وتَوقَّع بنجل عودة المسيح عـام 1836 بعد ظهور المسـيح الدجال متمثلاً في شخص نابليون بونابرت. وعندما حلت مجاعة بمملكة فورتمبرج عام 1817، دعا بنجل أتباعه إلى الهجرة إلى الشرق، فهاجر آلاف الفلاحين من هذه المملكة إلى جنوب روسيا حيث رحب بهم قيصر روسيا ألكسندر الأول.
وقد رأت مملكة فورتمبرج في هجرة مواطنيها خطراً يتهددها، ولذا لجـأت إلى إنشاء جمـعيات خاصـة للمـــتدينين ذات استقلال ذاتي. وكانت أولى تلك الجمعيات تحت رئاسة جوتليب هوفمان والد كريستوف هوفمان مؤسس جمعية الهيكل الألمانية، الذي وجد أن ازدياد نفوذ الاتجاهات الليبرالية والثورية في البرلمان القائم في فرانكفورت دليل قاطع على سيطرة الاتجاهات الشيطانية بسبب فشل الكنيسة الإنجيلية في رسالتها. ولذا، دعا هوفمان إلى إقامة كنيسة جديدة مستقلة، وساعده في هذا صديقاه جورج ديفيد هارديج وعمانويل باولوس.
ومع اندلاع حرب القرم عام 1853، اعتقد هوفمان أن الوقت قد حان لإقامة (مملكة الرب) وسَلْخ (أرض الميعاد) في فلسطين عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية وجَعْلها موطناً لـ (شعب الله المختار) تنفيذاً للوعود التوراتية. وقد فسَّر هوفمان هذه الوعود بأنها ليست لليهود ولكن للشعب المسيحي الإنجيلي.
ومن ثم، شكَّل هوفمان جمعية تحت اسم (أصدقاء القدس) عام 1854 دعـت إلى اتخاذ الوسـائل والتـدابير لوضع مشــروعه موضع التنفيذ. وطرح هارديج فكرة السعي لدى البرلمان الألماني في فرانكفورت من أجل التأثير على السلطان العثماني للسماح للألمان باستيطان فلسطين واستعمارها من أجل إيجاد عمل للمتعطلين من الألمان، وكان شعاره هو )ينبغي إيجاد عمل للشعب الألماني( ، بمعنى أنه اكتشـف الحـل الاســتعماري لمشاكل أوربا، وهو تصديرها للشرق. وقد تبنت الجمعية اقتراح هارديج بالإجماع.
وبناءً على ذلك، كتب هوفمان مشروع دستور للجمعية الجديدة أسماه (مشروع دستور شعب الله) وسُمِّيت الجمعية (جمعية تجميع شعب الإله في القدس). ثم قام هوفمان وهارديج برحلات عديدة في أوربا للدعوة لهذه الجمعية حيث لاقت دعوتهم بعض القبول وتبرعت بعض الأسر الثرية بالأموال لشراء الأراضي لتكون مواضع لتجميع شعب الإله قبل الانطلاق لاستعمار فلسطين. وقد أدَّت المجاعة التي أصابت فورتمبرج إلى انضمام العديد من الأنصار إلى الجمعية.
ومع انتهاء حرب القرم عام 1856 وعدم انهيار الإمبراطورية العثمانية كما تَوقَّع هوفمان، شنت الكنيسة الإنجيلية حملة شديدة على الجمعيـة، الأمـر الذي أدَّى إلى تَقلُّص عـدد أعضـائها تدريجـياً.
وقد دخل هوفمان وأنصاره، نتيجة هذا الهجوم الشرس، معركة كبرى مع الكنيسة الإنجيلية، وهو ما أدَّى إلى طردهم منها عام 1859. ولهذا، فقد أنشأوا طائفة دينية خاصة بهم دعاها هوفمان(الهيكل الروحي) . وأدَّى انشقاق الجماعة إلى اشتداد الحملة الكنسية عليها الأمر الذي أدَّى إلى انفضاض الأتباع عنها. لكنها استطاعت أن تستمر وتحافظ على كينونتها، بفضل وجود أتباع كثيرين لها بين المهاجرين الألمان في أمريكا الشمالية وجنوب روسيا.
وقد أُعيد تنظيم الجماعة عام 1861 تحت اسم (جماعة الهيكل الألمانية) وكان شعارها (من أجل تجديد الحياة الدينية والاجتماعية لشعب الإله) . وكان من الطبيعي أن تتم عملية التجديد هذه من خلال صيغة صهيونية واضحة: خروج (الشعب المختار)، أو (البقية الصالحة)، من أرض السبي والمنفى (أوربا التي تسودها الآثام الأخلاقية والبطالة) ـ دخول (أرض الميعاد أو صهيون) ، أي استعمار فلسطين ـ قيام مجتمع مثالي (صهيوني) يتسم بصفتين: أن يكون طابعه ألمانياً فاقعاً وسُمِّيت إحدى المستوطنات ( فالهالا)، أي قاعة الآلهة التيوتون التي يقيمون فيها الولائم بعد أن يقضوا يومهم في الحرب والقتال، كما سُمِّيت مستوطنة أخرى ( فيلهلما)، أي (الوليامية (، نسبة إلى (فلهلم أو وليام قيصر ألمانيا)، وأن يتسم المجتمع المثالي الجديد أيضاً بأنه مستقل عن المحيط العربي، فيكون مجتمعاً صهيونياً استيطانياً وربما إحلالياً غير يهودي. وسيقوم المجتمـع الجديد بتمثيل مصـالح ألمانيا في الشـرق، وسـتقوم هي بحمايته، أي أن المجتمع الجديد دولة وظيفية . وقد أنشأت الجمعية علاقات وثيقة مع جمعيات صهيونية غير يهودية مماثلة في أوربا بغرض استعمار فلسطين، من أهمها العلاقة بين هارديج وهنري دوتان السويسري مؤسس الصليب الأحمر والذي أسَّس جمعية تحت اسم (جمعية العمل الدولي من أجل تجديد فلسطين) وكانت تدعو إلى هيمنة المسيحيين (أي الاستعمار الغربي) على فلسطين عن طريق الاستيطان السلمي (أي التسلل). ولهذا، فقد سعى دوتان لدى السفير العثماني في باريس (جمال باشا) ولدى الوزير الفرنسي المفوض في إستنبول (المسيو بوريه) من أجل الضغط على الباب العالي للسماح للمستعمرين الألمان من جمعية فرسان الهيكل بشراء الأراضي في فلسطين والاستقرار بها. وقد أدَّت ضغوط دوتان إلى موافقة الباب العالي على هذا عام 1868، وقام دوتان بإبلاغ هارديج بهذا الانتصار. ومن ثم، سافر هوفمان وهارديج مع أسرتيهما إلى فلسطين والتقيا في الطريق مع العديد من الدبلوماسيين الأوربيين الذين زودوهما بنصائح عن كيفية التعامل مع الباب العالي وبينوا لهما ضرورة عدم التجنس بالجنسية العثمانية حتى يتمتعوا بالحماية الأوربية (كما فعل المستوطنون الصهاينة اليهود بعدهم). وكان أحد الأسباب التي شجعت هوفمان وهارديج على البدء بمشروعهما الاستيطاني هو القانون العثماني الذي صدر في 1867 مبيحاً للأجانب حق تملك الأرض في المدن والريف في الولايات العثمانية كافة.
وعند وصولهما إلى حيفا عام 1868، قام هوفمان وهارديج بالتحايل على رفض الباب العالي الموافقة لهما على شراء الأراضي في حيفا عن طريق وسيط عثماني، وبدأ عام 1869 في بناء أول مستوطنة ألمانية في فلسطين من البحر حتى سفح جبل الكرمل (افتُتحت رسمياً عام 1870).
وقد حرص هوفمان وأتباعه على بناء المستوطنة على النسق الأوربي مع المحافظة على علاقاتهم بالوطن الأم في ألمانيا. وقد نمت تلك المستوطنة حتى وصل عدد سكانها عام 1914 إلى 750 نسمة.
لكن الدعوة للهجرة من ألمانيا بدأت تتوقف، وخصوصاً بعد تَحسُّن الأحوال الاقتصادية في ألمانيا نفسها ، بعد تحقُّق الوحدة الألمانية التي تلت انتصار ألمانيا على فرنسا عام 1871، إذ تحولت ألمانيا إلى دولة عظمى في أوربا وبدأ الاهتمام بالحصول على مستعمرات أفريقية، واتجهت السياسة الألمانية إلى التحالف مع العثمانيين في مواجهة الإنجليز والروس، ولذا لم تحاول ألمانيا دَعْم فرسان الهيكل كثيراً. ، وانتهت الهجرة تماماً بحلول عام 1875. وقد أدرك المستوطنون هذا وتوقفوا عن السعي لتحقيق غايتهم المنشودة وهي تجميع (شعب الإله (في القدس وإقامة (مملكة الرب)، وتَركَّز اهتمامهم على تحسين أحوالهم المعيشية.
وفي عام 1874 دبت الخلافات بين المؤسسين حتى انفصل عنهم هارديج وشكَّل رابطة الهيكل. وكانت العلاقة بين المستوطنين وبين السكان العرب متوترة . وقد حدثت مشادة بين عربي ومستوطن ألماني، فقتل المُستوطنُ العربي، وانتقم أهله له، وهو ما دعا المستوطنين إلى طلب حماية ألمانيا التي سارعت بإرسال بارجة حربية لشواطئ فلسطين في سابقة لم تحدث من قبل. ولكن التوتر بين المستوطنين والسكان الأصليين أدَّى إلى مزيد من تقليص الدعم الألماني للمستوطنين، وذلك نظراً لأن ألمانيا كانت تود تحسين علاقاتها مع الباب العالي. وقد صدرت تعليمات مشددة من الخارجية الألمانية باعتبار المستوطنين ليسوا ألماناً، ما لم يرسلوا أبناءهم لأداء الخدمة العسكرية. وبعدئذ، حاول المستوطنون الألمان، أكثر من مرة، لفت نظر الحكومة الألمانية إلى أهمية فلسطين وإلى الضرر الذي قد يلحق بألمانيا إن وقعت فلسطين تحت السيطرة الفرنسـية، بيد أن موقـف الحكومة الألمانية كان مخيباً لآمال المسـتوطنين. وقد اتخذت جماعة فرسان الهيكل موقفاً معادياً من المستوطنين اليهود لاعتبارات عدة دينية وسياسية واقتصادية. فمن الناحية الدينية، رفض هوفمان اعتبار اليهود (شعب الإله) لأنهم غارقون في الدنس، ومن الناحية الاقتصادية اعتبرهم فرسان الهيكل منافسين خطرين، ومن الناحية السياسية خشي فرسان الهيكل من سيطرة اليهود على مقدرات الحياة في فلسطين لحُسْن تنظيمهم وقدراتهم المالية.
وفي المقابل، استفاد الصهاينة من تجربة فرسان الهيكل في كيفية بناء المستوطنات والتنظيم على النسق الأوربي وطالبتهم الصحف الصهيونية باتخاذ موقف متسامح ومتفهم للمصالح المشتركة بين اليهود والألمان. وقد ساعد على تحسُّن العلاقة، ولو لفترة قصيرة جداً، أن الحركة الصهيونية قبل وعد بلفور كانت تتطور في ألمانيا والتزم فرسان الهيكل بالسياسة الألمانية الرسمية في دَعْم الصهاينة في محاولة منهم للتقرب من الحكومة الألمانية. ولكن الحرب العالمية الأولى جاءت واتجه الصهاينة إلى الحلفاء ضد دول الوسط، وبعدئذ سقطت فلسطين في أيدي الإنجليز لتُنهي كل علاقة طيبة بين فرسان الهيكل والصهاينة، بل لتنهي المستعمرات الألمانية في فلسطين .
ومن الأمور التي قد تكون طريفة ودالة في آن واحد أن بقايا فرسان الهيكل قد أصبحوا نواة الحزب النازي في فلسطين في الثلاثينيات واختفوا تماماً مع سقوط النازية.
وأهمية جمعية فرسان الهيكل تَكمُن في أنها تُبلوِّر النموذج الصهيوني بشكل لم يتحقق من قبل ، وربما لن يتحقق من بعد (بسبب صغر حجم التجربة).
مع الإشارة إلى أن التجربة الصهيونية الألمانية (غير اليهودية) تسبق التجربة (الصهيونية اليهودية (وهي في هذا تعبير عن أسبقية (الصهيونية ذات الديباجات المسيحية) و(صهيونية غير اليهود العلمانية) على (الصهيونية ذات الديباجة اليهودية).
ومن الأمور التي تستحق التأمل التشابه الكامل بين (الصهيونيتين) رغم اختلاف الشخصيات التي قامت بتنفيذ كل منهما: ففرسان الهيكل (مسيحيون) والصهاينة (يهود). ولعل هذا يعود إلى أن إشكالية الصهيونية هي إشكالية كامنة على المستوى الحضاري والمعرفي في الحضارة الغربية، ولذا فهي نموذج نهائي قادر على التهام أشكال الخطاب الديني المختلفة (يهودياً كان أم مسيحياً) لتعيد إنتاجه على هيئة مشروع لا ديني يستخدم ديباجات دينية.


•    جماعة (شتيرن) :


جماعة صهيونية مراجعة حاولت التعاون مع النازيين باعتبار أن ثمة فارقاً عميقاً بين ما سمته الجماعة (مضطهدي الشعب اليهودي) وأعدائه. فمضطهدو الشعب اليهوي أمثال هامان وهتلر موجودون في كل زمان (فالصهاينة يؤمنون بحتمية العداء لليهود واليهودية). ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة لأعداء اليهود، فهؤلاء هم الأجانب الذين يهيمنون على فلسطين ويمنعون اليهود من العودة إليها لينهوا حالة المنفى ويؤسسوا وطنهم القومي فيها. وبناءً على هذه الأطروحة الصهيونية الراديكالية لم يجد أعضاء (شتيرن) أية غضاضة في التفاوض مع النظم الشمولية بهدف التعاون الوثيق معها. فعقدوا اتفاقاً مع حكومة موسوليني تعترف بمقتضاه الحكومة الفاشية بالدولة الصهيونية على أن يقوم أعضاء (شتيرن) بالتنسيق مع القوات الإيطالية حين تقوم بغزو فلسطين.
ولكن التعاون مع النازيين كان هو الهدف الحقيقي. ولتحقيق هذا الغرض أرسل أعضاء (شتيرن) مندوباً إلى بيروت (التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين) للتفاوض مع قوات المحور.  وقد قابل هذا المندوب، في يناير 1941، مواطنين ألمانيين أحدهـما هو أوتو فون هنتج، رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية الألمانية، والذي كان يشعر بالإعجاب العميق بالصهيونية.
وبعد الحرب اكتُشفت وثيقة (في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة) أرسلتها جماعة(شتيرن) للحكومة الألمانية تتصل بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوربا واشتراك أعضاء جماعة (شتيرن) إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء. وتنص الوثيقة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوربا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية. وقد عبَّر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية. (وصفت شتيرن نفسها بأنها حركة تشبه الحركات الشمولية في أوربا في أيديولوجيتها وبنيتها). كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتُعبِّر عن تقدير جماعة (شتيرن) للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة والصهيونية في المجال السياسي والعسكري.
ولم يتلق الجانب الصهيوني رداً، ولذا أرسلت جماعة (شتيرن) مندوباً آخر في ديسمبر من نفس العام إلى تركيا (بعد احتلال البريطانيين للبنان) ولكن قُبض على هذا العميل.
وكان إسحاق شامير، رئيس وزراء كيان العدو الأسبق، عضواً في جماعة (شتيرن). ويؤكد الباحث الصهيوني باروخ نادل أن شامير كان يعرف بخطة(شتيرن) للتعاون مع النازيين. وحينما عُيِّن وزيراً للخارجية ثار الرأي العام العالمي بسبب تعيين إرهابي مثله (قام بتدبير عملية اغتيال الوزير البريطاني اللورد موين ـ مفوض بريطانيا بالقاهرة ـ في 6 نوفمبر عام 1944 ، في القاهرة ، والوسيط الاممي الكونت فولك برنادوت في 17 سبتمبر 1948، في فلسطين).


•    جماعة عصبــة الأشـــداء :


جماعة (عصبة الأشداء) أي الأقوياء ، ومعناها بالعبرية (بريت هابريونيم) ، جماعة صهيونية مراجعة أسسها آبا أحيمئير ومجموعة من المثقفين الصهاينة مثل الشاعر أوري جرينبرج. وكان معظم مؤسسي الجمعية أعضاء في منظمات صهيونية عمالية ثم استقالوا منها. وقد تبنت الجماعة صياغة صهيونية لا تخفي إعجابها بالفكر النازي أو العنصرية النازية. وكما قال أحد كبار الصهاينة التصحيحيين) : نحن التصحيحيين نكن الإعجاب الشديد لهتلر، فهو الذي أنقذ ألمانيا ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام، وسنتبعه إن هو تخلى عن معاداته لليهود ).
وقد كانت مجلة (عصبة الأشداء) في فلسطين تزخر بالمقالات التي تمجد هتلر والهتلرية. وكان من بين هتافات أعضاء العصـبة ( ألمانيا لهتلر، وإيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي). نسبة إلى فلاديمير جابوتنسكي (1880-1940) زعيم الصهيونية التصحيحية. والمعروف بتزعمه للتيار اليميني في الحركة الصهيونية ، وهو من أشد الذين تأثروا بفكرة التجمع والاقتحام، وأول من حاول تطبيقها في فلسطين عام 1920 خلال أحداث موسم أعياد النبي موسى، ويعد كذلك المنظم الأول لمعظم المنظمات الإرهابية السرية في فلسطين .
 كما مجَّد أعضاء الجمعية الجوانب العسكرية في تاريخ العبرانيين، فكانوا يشبهون أنفسهم بجماعة (حملة الخناجر)، وهم فريق من جماعة (الغيورين) كانت تغتال الرومان واليهود الذين يتحالفون معهم، وذلك أثناء التمرد اليهودي الأول في فلسطين بين عامي (66 و73 ميلادية (واسم الجمعية نفسه (عصبة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في الذهنية العنصرية اليهودية الصهيونية

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 18 تشرين الأول 2009 الساعة: 19:31 م

الحركة الصهيونية العالمية ومحاولات توظيف التراث الديني اليهودي كمنبع رئيس لمكوّنات الوجدان الصهيوني العنصري

بقلم : أوس داوود يعقوب

إن عمليات الإرهاب و القتل الجماعي و الاغتيالات والتصفيات التي يمارسها الصهاينة نابعة من الفكر والعقيدة اليهودية المستمدة من خرافات وأساطير التلمود والتي أكدتها الصهيونية قولاً وعملاً، وكانت التربية اليهودية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم الصهيونية  العدوانية، هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الصهاينة في إنشاء  الكيان الصهيوني وبقائه.
ويشكّل التراث الديني اليهودي المنبع الرئيس لمكوّنات الوجدان الصهيوني المعاصر، الذي تأثر به تأثراً عميقاً، ووظّفه مفكّرو الصهيونية وروّادها وقادتها ليصبّ في أهدافهم العنصرية الكبرى. حيث حوَّلت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور للشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضتها (جماعة يسرائيل أو العبرانيون) مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب، فقاموا بطرد بعضهم وإبادة البعض الآخر. و(جماعة يسرائيل) يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدَّسة لأن الإله يحل فيه.
  ولا يعني الاهتمام الصهيوني- باليهودية أنّ البحث الحقيقي عن مُثل أو قيم روحية- أخلاقية قد توجد في هذا التراث، وإنما يعني الاهتمام بمدى تعبير اليهودية عن (الذات القومية)، التي يريدون لها (الانبعاث) في (أرض الميعاد).‏


ويدرك الدارس لتاريخ الجماعات اليهودية والحركة الصهيونية ، أنّ هناك ترابطاً عضوياً لا تنفصم عراه بين كلّ من اليهود والصهيونيّة. فاليهود يعدّون أنّ كلّ يهودي في العالم هو جزء منهم، وأن لا فرق من الناحية القومية، بين اليهود الذين يعيشون في الكيان الصهيوني، وبين اليهود في أمريكا أو روسيا مثلاً، فالدين اليهودي بالنسبة إليهم يُعَدُّ عنصراً أساسياً في القومية، خلافاً لكلّ النظريات والدراسات والأبحاث، التي أجمع عليها العالم كلّه في هذا السياق.‏


وقد تم بلورة مفهوم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل ، في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام 1880 على يد المفكـرين الصهاينة غــير اليهـود أمثال لورد شافتـسبري ولورانـس أوليفانت. وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني). وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
وبعد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 في بازل، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة) .


ولعل من أبرز أهداف الصهيونية ، تطبيق التعاليم اليهودية والالتزام بالطابع الديني للدولة اليهودية، وتؤمن الصهيونية عموماً بأنّ الدين هو الدافع الأول لخلق الدولة اليهودية.‏ وأنّ العلاقة بين اليهودية والصهيونية علاقة عضوية. 
فالدين في نظر المفكرين اليهود والصهاينة، هو (الأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية) ، كما يقول البروفسور اليهودي يسرائيل شاحاك، وهو القاسم المشترك بين اليهود، الذين يضمن (نقاءهم العنصري وولاءهم القومي)، الأمر الذي عبّر عنه البروفسور يعقوب تالمون، أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، بقوله: (إنّ الكنيس اليهودي هو وحده محور الهويّة الذاتية في دول الغرب).‏


وتنطوي المعتقدات اليهودية على انغلاق شوفيني وتعصّب عرقي وعنصرية حاقدة وأهداف سياسية خطيرة. حيث أنّ الفلسفة العنصرية تشكّل معيناً ينهل منها الصهاينة جميعاً، أفراداً وأحزاباً وتيّارات ومؤسّسات، فكراً وممارسة.‏


وهذه العنصرية هي التي تقبع خلف المواقف والاتجاهات والأحزاب والسياسات المختلفة. وما الأفراد الصهاينة والجماعات الصهيونية غير تجليّات متنوعة لجوهر واحد، هو العنصرية.‏


والواقع أنّ الولاء ( للدين والطقوس والشريعة) هي العناصر التي تجمع بين اليهود، في الظاهر على الأقل، وحجّة الآخذين بهذا الرأي تقوم على ثلاثة عناصر هي :‏


1- إنّ البقاء اليهودي عبر العصور هو أشبه بالمعجزة، التي لا يمكن تفسيرها إلا على أساس الدين، الذي يُنظر إليه وكأنه قادر على التعويض عن غياب جميع العوامل الأخرى لحفظ التلاحم (القومي اليهودي). وفي هذا السياق يقول النظر الصهيوني آحاد هاعام: (لقد كنّا يهوداً لمدة ثلاثة آلاف سنة لأنه لم يكن بوسعنا أن نكون شيئاً آخر، ولأنّ قوة جبارة تربطنا بالديانة اليهودية وتفرض نفسها على قلوبنا، ولأنّ الديانة اليهودية تعيش فينا جنباً إلى جنب مع جميع الغرائز الطبيعية التي تنمو في الإنسان منذ ساعة ولادته) .


2- إنّ الحقّ التاريخي الذي يخوّل اليهود الاستيلاء على أرض فلسطين، يستمدّ مقوماته الجوهرية من الديانة اليهودية.‏


3- إنّ مبرّر وجود (إسرائيل)، لا بل (حقها في الوجود) ، يزعمون أنه مُستَمدٌّ من الدين اليهودي.


وبهذا يتغافل أصحاب هذه الرؤية ، عن حقيقة عدة أمور أثبتت صحتها الدراسات التاريخية ومن أبرزها أنّ اليهود لا يشكّلون (أمةً واحدةً)، ولا يُكوّنون (مجموعة قومية أو عرقية)، وليس هناك (تركيبة إثنية يهودية)، ولا وجود لـ (جنس يهودي متميّز)، وإنّما هم عناصر بشرية تنتمي إلى جميع الأجناس، من أوروبا إلى أمريكا مرورا إلى آسيا وأفريقيا. وليس لهم (لغة واحدة)، بل يتكلمون لغات الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وليس لليهود (عادات مشتركة وتاريخ مشترك)، فسلوكهم يعكس تقاليد وعادات المجتمعات في أوطانهم الأصليّة. و(الدولة اليهودية) القديمة، التي يشيرون إليها باستمرار لم تدم أكثر من (78) عاماً في عهدي داوود وسليمان، وفي رقعة لا تتجاوز عشرة أميال مربعة. علماً أنه ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث لمؤرخين يهود تشكّك جذرياً بصحة تلك المزاعم.‏
وبناء عليه فالكيان الصهيوني، الذي أوجدته القوى الاستعمارية الكبرى في أرض فلسطين، يحمل في تركيبته الأثنية- القومية كل الخلافات العرقية. فما الذي يجمع (قومياً) اليهودي الروسي واليهودي الألماني واليهودي المغربي واليهودي الأمريكي واليهودي الأثيوبي مع اليهودي الفرنسي.. الخ؟!‏


ومما لاشك فيه أن الصهيونية بأحابيلها ودسائسها وتضليلها ومزاعمها ساقت الأفراد اليهود ، من أصقاع الأرض ، باسم (العودة إلى أرض الميعاد)، وباسم (الخلاص والتحرّر من الاضطهاد وأوضاع الجيتو) ، وتحت عنوان الهروب من (العداء للسامية) والتمييز العنصري.. ساقت إلى أرض فلسطين العربية ، بدعم مباشر من الدول الغربية الكبرى ، ملايين اليهود الذين ينحدرون من مائة وخمسين بلداً، وينتمون إلى أكثر من ثمانين شعباً ولغة. ويتوزعون على اتجاهات فكرية وثقافية تتجاوز خمسين اتجاهاً متناحراً.‏


ولكن الخطورة تكمن هنا في أنّ اليهود يؤمنون بدرجات ونسب متفاوتة، أنّهم عندما يبنون (دولة إسرائيل)، فإنما يحقّقون بذلك استرجاع (الدولة اليهودية) القديمة، التي تستوجب (إعادة بناء هيكل سليمان). كما يعتقدون بأنّ الربّ اختار بنفسه (صهيون) لتكون مسكناً له. فهي ليست (عاصمة داود السياسية) فحسب، وإنما هي (العاصمة الدينية) التي لا يمكن للإله أن يستقر، أو يسكن، أو يُعبَد، إلاّ فيها،( الربّ اختار صهيون، اشتهاها مسكناً له) [مزموز132].‏


فالنفسية اليهودية مبنيّة على فكرة أسطورية بتفوّق اليهود، وتساميهم على الآخرين. واليهود يشعرون بأنهم متفوقون أخلاقياً على جميع الأمم. وهذا الشعور يجسّد ذاته في فكرة (الشعب المختار) ، كما يقول آحاد هاعام،.  وهذا (الشعب) يقول ناحوم غولدمان  :(هو شعب فريد في التاريخ. والشعور بالتفرد يستتبع الشعور بالتفوق على شعوب أخرى. ولا غرو فمفهوم "الشعب المختار" يشكل جانباً أساسيّاً من الدين اليهودي).‏


وقد رسّخت عصور الضياع والنبذ والمصادرة جذور الانعزالية والتعصب العنصري اليهودي ، والشكّ بكلّ الأمم والشعوب، وشكّلت، بتقسيمها العالم إلى قسمين: الشعب اليهودي (المختار) والشعوب غير اليهودية (الأغيار)، شكلت المرتكزات الأساسية للذهنية العنصرية، المتداخلة مع قراءات منتقاة لنصوص مُعيّنة من الدين اليهودي.‏


ومن تلك النصوص والتفسيرات والاجتهادات انبثقت جملة من المقولات العنصرية، التي ترفعها الصهيونية شعارات (مقدّسة) لا تقبل التشكيك أو المناقشة، مثل مقولات (الشعب المختار، الشعب المميّز، ورثة أمجاد الرّب، أرباب العهود مع اللّه، أمّة الكهنة والقديسين، أنقى جنس خلقه اللّه) ، و(المخلوق الفريد) ، (المُحاط بهالة من أشعّة الأمجاد) وغيرها الكثير من مخزون الاستعلائية، الصهيونية العنصرية.‏


فالقومية الصهيونية لا تنفصل بتاتاً عن العقيدة اليهودية ومفرداتها ومفاهيمها وتعاليمها، ومقولاتها، التي تنص صراحة على أنّ (اليهود يشكلون عنصراً مميزاً على سائر العناصر البشرية، وشعباً متميزاً على الشعوب كافة، بخصائصه وفرادته، واختياره من قبل الربّ ذاته). وهي بذلك تجعل من نظرّية الجنس، أو العرق، أساساً جوهرياً لها. وعلى هذا الأساس تقوم النظرية العنصرية اليهودية - الصهيونية.‏


انطلاقا مما تقدم فإنّ دراسة الصهيونية ومرتكزاتها العنصرية، تقتضي دراسة مقولات ومفاهيم العقيدة اليهودية، لأنها المنبع الرئيس، الذي تستمدّ الصهيونية منها توجهاتها وقيمها وديماغوجيتها العنصرية، الشوفينية، ومنه استقت الحركات والجماعات الصهيونية الإرهابية، المتطرفة ، بُغضها الشديد للعرب وحقدها على الفلسطينيين وعلى الشعوب والأمم الأخرى.‏


من هنا لا تُفرّق أغلبية اليهود بين دينها وقوميتها ، إنهما وجهان لأيديولوجية شاملة.  فكلمة (يهودي) تشير إلى دين. وكلمة (صهيوني) تشير إلى أرض، وعليه فهناك وضع تلاحمي - تكاملي بين النواحي الدينية والقومية والأيديولوجية في فكر الصهاينة وممارساتهم العدوانية- الإرهابية. وهذا الحاخام الأكبر لتل أبيب، شلومو غوريون، يعلن أنه (لا يمكن الفصل بين أرض [إسرائيل] وبين تعاليم اليهودية، وإنّ فصل قيم التوراة عن وصايا استيطان البلد هو بمثابة فصل الروح عن الجسد).‏


وقد استمدت الصهيونية في جوهرها عقيدة متطرفة، أصولها من مفاهيم الديانة اليهودية وأساطير تعود إلى ثلاثة آلاف سنة، والتي تنصّ على أنّ إله اليهود (يهوه) قد وعد شعبه الخاص (بني إسرائيل)، بأرض فلسطين، ملكاً أبدياً.. وخصّهم بها ميراثاً أزلياً. وجاءت الحركة الصهيونية فوظّفت تلك القصص والحكايات والأساطير، وتبنّت - وفق خطة إستراتيجية متغيرة، متجدّدة - تحقق تلك التنبؤات والأحلام، القائمة في جذور الديانة اليهودية، وفي أعماق العقل (الجمعي اليهودي). وبذلك أصبحت الحركة الصهيونية ، التجسيد العملي والواقعي للرؤى اليهودية.

وهذا ما عبّر عنه بن غوريون بقوله: (إنّ الصهيونية تستمدّ وجودها وحيويتها وقوتها من مصدر عميق، عاطفي، دائم، مستقل عن الزمان والمكان، وقديم قدم الشعب اليهودي، هذا المصدر هو الوعد الإلهي، والأمل بالعودة).‏


ويُفهم من كلام معظم قادة الصهيونية أنّ هذه الحركة أقامت ، بالتعاون الوثيق مع الدول الغربية الكبرى ، (دولة إسرائيل) في أرض فلسطين، استناداً إلى أساطير وتنبؤات (العهد القديم). ويُفهم أيضاً أن الصهيونية حركة قومية، عنصرية، إرهابية، لها جذورها العميقة في الديانة اليهودية. فلا صهيونية من دون يهودية، لأن الصهيونية ما فتئت تعمل، بجهود هائلة وأساليب شديدة التنويع والمكر، على تحويل التنبؤات والرؤى والأساطير والوعود إلى حقائق واقعية. وقد اتخذ قادة الصهيونية ومفكّروها من عقيدة (العودة) إلى (أرض الميعاد) وسيلة لإثارة حماس اليهود الديني والعاطفي، وتحشيدهم، ومن ثم استغلال ذلك كلّه لاقتلاع اليهود من مواطنهم الأصليّة، وشحنهم إلى فلسطين.‏


ولهذا لا يمكن فهم أبعاد العنصرية الصهيونية، والتطرّف والإرهاب الصهيوني، ما لم تتم العودة إلى المنابع والمصادر والمرتكزات التي تقوم عليها وبها العنصرية الصهيونية، تلك القائمة على الروح العنصرية والتمايز العنصري والعقلية الاستعلائية الحاقدة. إذ أن العقلية اليهودية الصهيونية الحاضرة، تضرب عميقاً في التراث الديني واليهودي وتاريخ الجماعات اليهودية، وتتغذى من نزعة التفوق والشعور بالتميّز عن الآخرين، والتفرّد والاختيار.‏


والتوراة هي الكتاب (المقدّس) الأول لدى اليهود، وهي المرآة التي أسقط عليها اليهود أخلاقهم ورؤيتهم وتطلعاتهم. وقد وضع عددٌ من الكتّاب مؤلفات وبحوث ودراسات، تحلّل الصلة الروحية والنفسيّة والذهنية بين نصوص التوراة التي وقع تحريفها وتصرفات اليهود الحاليين، والإرهاب الذي تمارسه الصهيونية، سواء في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، أو في أنحاء العالم الأخرى.


فمن يستطيع محو الاعتقاد اليهودي بأنّ الإله (يهوه) هو الذي حذّرهم من مخالطة الشعوب، أو قطع العهود معهم. ومن بإمكانه إلغاء الإيمان اليهودي المتوارث منذ آلاف السنين، بأنّ الربّ هو من فرض عليهم إبادة الشعوب المجاورة أو طردها. كقوله ـ أو قول قادتهم على لسان الربّ ـ : (متى أتى بك الربّ إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين. سبع شعوب أكثر وأعظم منك ودفعهم الربّ إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرّمهم. لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم)، [تثنية، الاصحاح السابع:1-2].


 والقول أيضاً : ( وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الربّ إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرّمها تحريماً)، [تثنية، الاصحاح العشرون: 16] ، ومئات غيرها من (الوصايا والتعاليم)، التي تنفجر حقداً وعنصرية ورُعْباً.‏


المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العنف والإرهاب الصهيوني.. أساليب وأشكال متعددة في القرن العشرين… الجذور والدوافع والغايات

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 8 أيلول 2009 الساعة: 15:54 م

"إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليست السلام بل السيف" "مناحم بيجين".

يعد البحاثة الموسوعي، المفكر المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري من أبرز الباحثين والمفكرين العرب، لا بل وفي العالم، الذي استطاع أن يقدم دراسات ورؤى، علمية وموضوعية، من خلال موسوعته الرائدة، عن تاريخ العبرانيين في العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتعدادتها وتوزيعاتها، وسماتها الأساسية، وهياكلها التنظيمية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التي يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية. وقد غطت الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود، وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية (مثل نابليون وهتلر). كما تناولت هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية، وفرقها وكتبها الدينية، وطقوسها وشعائرها، وأزمتها في العصر الحديث، وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود). وقد غطت الموسوعة كذلك كل ما يتعلق بالحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها، وبعض الجوانب الأساسية للدولة العنصرية الصهيونية.

ويمكن تلخيص هدف الموسوعة، التي صدرت في ثمانية مجلدات، متوسط عدد صفحات كل منها 450 صفحة، ويتناول كل مجلد واحد منها موضوعاً محدداً. فالمجلد الأول يتناول الإطار النظري للموسوعة وقضايا المنهج. أما المجلدات التالية (الثاني والثالث والرابع) فتتناول موضوع الجماعات اليهودية. ويتناول المجلد الخامس اليهودية، والمجلد السادس الصهيونية، والمجلد السابع (إسرائيل).
والموسوعة محاولة لتطوير الخطاب التحليلي (مصطلحات ومفاهيم)، القصد منها وصف الظاهرة اليهودية والصهيونية، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخي لهذه الظاهرة، من حيث كونها ظاهرة تاريخية اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها.
استغرق إعداد الموسوعة ما يزيد عن ربع قرن. واشترك في هذه العملية عشرات الأفراد (مؤلفون- مساعدو باحث- مكتب للترجمة العبرية– وغيرهم الكثير). وقد قام الدكتور المسيري بجهوده الذاتية بإعداد هذه الموسوعة والإنفاق عليها طيلة هذه الفترة.

وحينما عرف بأمر الموسوعة، قام الإرهابي الصهيوني "مائير كاهانا" (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية) بإرسال خطابات تهديد بالقتل لمؤلفها والمشرف عليها في يناير عام 1984، واعترف بإرسال الخطابات، في حديث مع جريدة "يديعوت أحرونوت الإسرائيلية" في عددها الصادر في 21 فبراير 1984. وبلغ عدد هذه الخطابات ثلاثة عشر خطاباً، أرسل ستة منها على عنوان الدكتور المسيري بالرياض (المملكة العربية السعودية) وأرسلت الستة الأخرى على عنوانه بالقاهرة، أما الخطاب الثالث عشر فقد أرسل له في القاهرة فور عودته من الرياض، جاء فيه أن مرسلي الخطاب يعلمون بأمر عودته، وأنهم "يعدون قبراً له". كما جاء في هذه الرسائل أنه إن لم يتوقف الدكتور المسيري عن نشاطاته المعادية للصهيونية (وأهم هذه النشاطات - بطبيعة الحال- هو تأليف الموسوعة) فستصل إليه الأيدي الصهيونية، وستقوم بتصفيته. وقد وضع الدكتور المسيري تحت حراسة سلطات الأمن المصرية، حمايةً له.
رحم الله الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي ترك لنا هذا الأثر العلمي الهام ليكون مرجعاً لكل باحث أخذ على عاتقه التصدي للظواهر اليهودية والصهيونية بالدراسة، كل في حقل تخصصه.

وقد وجدت في من فصول هذه الموسوعة، ضالتي، وأنا أبحث عن جذور العنف والإرهاب الصهيوني، وقد رأيت أنه من المفيد بداية تقديم تعريف للصهيونية، قبل الخوض في غمار الحديث عن جذور العنف والإرهاب الصهيوني ودوافعه وأسبابه وأشكاله المتعددة.

إشكالية تعريف الصهيونية:

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن كلمة «صهيونية» يصعب تعريفها بشكل مباشر لعدة أسباب منها أن التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية تشير إلى "الأمل الصهيوني" وليس إلى الظاهرة الصهيونية، فتُعرَّف الصهيونية، على سبيل المثال بأنها "الحركة الرامية إلى عودة اليهود إلى وطن أجدادهم إرتس يسرائيل حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال "المشيحانية لليهود"! وغني عن القول إن الأمل الصهيوني أو المتتالية المفترضة أو المتوقعة تختلف كثيراً عن الواقع الصهيوني أو المتتالية المتحققة.
كما أن هذه التعريفات تختلط بالاعتذاريات والمنظورات المختلفة بحيث لا تمكن التفرقة بين الواحد والآخر، فالصهيونية قد تكون من منظور البعض هي تحقيق الآمال المشيحانية، ولكنها من منظور البعض الآخر مخطط استعماري استيطاني.
إضافة إلى أن مصطلح الصهيونية يشير إلى نزعات وحركات ومنظمات سياسية غير متجانسة، بل متناقضة أحياناً، في أهدافها ومصالحها ورؤيتها للتاريخ، أو في أصولها الإثنية أو الدينية أو الطبقية. فضلاً على أن هذا المصطلح قد يُستخدَم مع صفة تحدُّ من حقله الدلالي أو تُوسِّعه كأن نقول «الصهيونية العمالية» و«الصهيونية المسيحية». بل هناك أيضاً «صهاينة صهيون» وهم معارضو مشروع شرق أفريقيا باعتبار أن دعاة هذا المشروع هم صهاينة بدون صهيون (كما أشار بعض دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية إلى صهيونية هرتزل باعتبارها "صهيون بلا صهيونية").

وإذا كانت الصهيونية تعني "تهجير بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فبأي معنى إذن يمكننا الحديث عن «صهيونية الدياسبورا» أو «الشتات» (الجماعات اليهودية في العالم)، أي صهيونية اليهودي الذي يرفض أن يشترك في عملية "الاستيطان" الصهيوني وإن كان في الوقت نفسه يرى أن هذا "الاستيطان" هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود؟ ولعل هذا هو الذي حدا بالمفكر الصهيوني العمالي بوروخوف إلى أن ينحت مصطلحاً في غاية الأهمية اختفى من الأدبيات والتواريخ الصهيونية وهو «صهيونية الصالونات»، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى التي تهتم بالجوانب الحضارية والثقافية والإثنية (أي ما يُسمَّى «الوعي اليهودي») ولا تهتم كثيراً "بالاستيطان". كما نحت آخر (بعد تأسيس الدولة الصهيونية) مصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» وهي صهيونية اليهودي الذي يُحدث أصواتاً صهيونية عالية ولكنه يكتفي بدفع مبلغ من المال للمنظمة الصهيونية. ولذا، فإن الصفة هنا في الواقع لا تُعدِّل دلالة المصطلح وحسب، وإنما تغير معناه تغييراً جوهرياً.

وهنا يجب أن نثير قضية تتصل بالمجال الدلالي. فإن قَبلنا بأن الصهيوني "هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فهل يمكن أن نُطلق المصطلح على دعوة المعادين لليهود بطرد اليهود من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين؟ بل هل يمكن أن نُطلق المصطلح على المشاريع النازية المختلفة للتخلص من اليهود؟ وهل يمكن الحديث عن النازيين كصهاينة؟ وعلى كل حال، فإن هذا ما فعله أدولف أيخمان أثناء محاكمته. فقد أشار إلى نفسه باعتباره صهيونياً يحاول أن يضع شيئاً من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود (باعتبار أن اليهود شعبٌ بلا أرض، أما الأرض الراسخة فهي فلسطين، أرض بلا شعب).

الصهيونية.. تاريخ المفهوم والمصطلح:

يؤكد الدكتور المسيري أن مصطلح «الصهيونية» لم يُسك إلا في القرن التاسع عشر، ولكنه مع هذا يُستخدَم للإشارة إلى بعض النزعات في التاريخ الغربي، بل داخل النسق الديني اليهودي قبل هذا التاريخ. وانطلاقاً من هذه الرؤية، عمل المسيري على رصد بعض استخدامات المصطلح وأوردها في تسلسلها التاريخي، مع إشارته إلى أن كل دلالة جديدة لا تنسخ بالضرورة ما سبقها، وإنما تُضاف إليها فتزيد المجال الدلالي اتساعاً وتناقضاً وتجعل المصطلح تركيباً جيولوجياً تراكمياً:

أولاً: الصهيونية بالمعنى الديني: تشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدَّسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «بنت صهيون». كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح المخلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. ولكلمة « صهيون» إيحاءات شعرية دينية في الوجدان الديني اليهودي، فقد جاء في المزمور رقم 137/ 1 على لسان جماعة يسرائيل بعد تهجيرهم إلى بابل: "جلسنا على ضفاف أنهار بابل وذرفنا الدمع حينما تذكرنا صهيون". وقد وردت إشارات شتى في الكتاب المقدَّس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي يُطلَق عليه عادةً «حب صهيون»، وهو حب يعبِّر عن نفسه من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها بغرض التعبد. ولذا، كان المهاجرون اليهود الذين يستقرون هناك لا يعملون ويعيشون على الصدقات التي يرسلها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وقد كان العيش في فلسطين يُعَد عملاً من أعمال التقوى لا عملاً من أعمال الدنيا، وجزاؤه يكون في الآخرة أو في آخر الأيام، ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة "بالاستيطان" الصهيوني، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية (الأرثوذكسية) تُحرِّم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى فلسطين وتعتبرها تجديفاً وهرطقة ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية». فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلاً بشرياً يتم على يد البشر. وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التي تؤكد عنصر تجاوز المادة) لا علاقة لها "بالاستيطان" الصهيوني الفعلي والمادي في فلسطين ولا حتى بما يُسمَّى «الصهيونية الدينية» في الوقت الحالي.

ثانياً: يُطلَق اصطلاح «الصهيونية» أيضاً على نظرة محددة لليهود ظهرت في أوربا (وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، لهم ما لبقية المواطنين وعليهم ما عليهم، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم شعباً عضوياً مختاراً وطنه المقدَّس في فلسطين ولذا يجب أن يُهجَّر إليه. وقد استمر هذا التيار المنادي بتوطين اليهود في فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الديني الذي صاحب حركة الإصلاح الديني. ويُطلَق على هذه النزعة اسم «الصهيونية المسيحية»، وهي تمارس في الولايات المتحدة الآن بعثاً جديداً وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية (الأصولية) المتطرفة.

ثالثاً: مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استناداً لأسباب تاريخية وسياسية بل "علمية". ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية «صهيونية غير اليهود» أو «صهيونية الأغيار».

رابعاً: يُلاحَظ حتى الآن أن مصطلح «صهيونية» نفسه لم يكن قد تم سكه بعد، ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهوماً مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وبخاصة الشرق الإسلامي، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية)، ومع تصاعد معدلات العلمنة بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.

خامساً: ليس من الغريب إذن أن نجد أن نابليون بونابرت أول غاز غربي للشرق الإسلامي في العصر الحديث وواحد من أهم المعادين لليهود في العالم الغربي (كما يدل على ذلك سجله في فرنسا) وواحد من أهم دعاة العلمانية الشاملة هو أيضاً صاحب أول مشروع صهيوني حقيقي، إذ دعا الصهاينة إلى "الاستيطان" في "بلاد أجدادهم"!

سادساً: أصبح مفهوم الصهيونية مفهوماً أساسياً في الخطاب السياسي الغربي عام 1841 مع نجاح أوروبا في بلورة مشروعها الاستعماري ضد العالم العربي والإسلامي الذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي في تحديث مصر والدولة العثمانية، ومع تفاقم المسألة اليهودية التقت المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتين من خلال دمجهما.

سابعاً: تمت بلورة المفاهيم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام 1880 على يد المفكرين الصهاينة غير اليهود لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت. وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني). وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

ثامناً: يُلاحَظ أننا نضع تاريخ تطوُّر مفهوم الصهيونية في سياق التاريخ الفكري والسياسي والعسكري الغربي، ولا نعود إلى العهد القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (إلا في محاولة دراسة الديباجات). فحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم يكن يربط اليهود أو اليهودية علاقة كبيرة بالصهيونية كفكرة أو مفهوم أو مشروع سياسي واقتصادي عسكري. وقد كان هذا هو الرأي السائد في الأوساط الصهيونية حتى عهد قريب. فأول تاريخ رسمي للصهيونية، كُتب بتكليف من المنظمة الصهيونية وكتبه ناحوم سوكولوف (الذي تولى رئاسة المنظمة الصهيونية بعض الوقت) مكوَّن من جزأين كرِّس معظمها لتاريخ الصهيونية بين غير اليهود.

تاسعاً: بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية، وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوروبا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر.
وقد عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوروبا عن نفسها من خلال جماعات أحباء صهيون التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضاً بأنها «صهيونية» رغم اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول والثاني.

عاشراً: نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم في أبريل 1890 في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ 6 نوفمبر 1891 قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حالياً. وفي مجال آخر في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 صرَّح بيرنباوم بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهكذا أعاد بيرنباوم تعريف دلالة مصطلح «الشعب اليهودي» الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية، فأصبح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت)، وتم استبعاد الجانب الديني منه تماماً. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة) قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية والعناصر العجائبية الأخروية، وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات. ورغم أن بيرنباوم كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية، فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معاً.

وبعد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 في بازل، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة).
بعد ذلك، بدأت دلالات الكلمة تتفرع وتتشعب، فهناك «صهيونية سياسية» (يُشار إليها أحياناً بعبارة «الصهيونية الدبلوماسية»)، وأخرى «عملية»، وتبعتها «الصهيونية التوفيقية». وكل صهيونية لها توجُّهها وأسلوبها الخاص وإن كانت جميعاً لا تختلف في الهدف النهائي. وتذهب الصهيونية التوفيقية إلى أن كل الاتجاهات الصهيونية غير متناقضة بل يكمل الواحد منها الآخر، ومن ثم يَسهُل التوفيق بينها.
ويشير الدكتور المسيري أن المفهوم الغربي للصهيونية تَبلور تماماً في وعد بلفور الذي مُنح "للشعب اليهودي" (أُسقطت عبارة "العرْق اليهودي") والذي أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية، أي أن اليهود أصبحوا شعباً بلا أرض، وفلسطين أصبحت أرضاً بلا شعب.
ثم بعد ذلك ظهرت « الصهيونية الثقافية» و«الدينية» التي أضافت إلى الصهيونية البعد الإثني (الديني والعلماني). ومن ثم ظهرت «الصهيونية الديموقراطية» و«الصهيونية العمالية» و«الصهيونية التصحيحية» و«الصهيونية الراديكالية. « وبعد عام 1948، ظهرت «صهيونية الدياسبورا».

ويذهب الدكتور المسيري في طرحه إلى أنه يوجد في الواقع صهيونيتان لا صهيونية واحدة (صهيونية توطينية وصهيونية استيطانية). ومع هذا، فإنهما يُشار إليهما بدالٍّ واحد: «صهيونية». وذلك برغم أنهما ظاهرتان مختلفتان تماماً، لهما جذور مختلفة وقيادات وجماهير وأهداف مختلفة.
الصهيونية التوطينية: ظهرت في بداية الأمر بين الصهاينة غير اليهود (من المسيحيين والعلمانيين) وبين يهود الغرب المندمجين، وعلى وجه الخصوص أثرياؤهم. ثم عبَّرت الصهيونية التوطينية عن نفسها في الصهيونية الدبلوماسية وصهيونية الدياسبورا. وجمهور هذه الصهيونية هم مؤيدو المشروع الصهيوني في العالم الغربي ويهود الغرب الذين يؤيدون المشروع الصهيوني ولكنهم لا ينوون الهجرة، وهم يشكلون غالبية يهود وصهاينة العالم، وكذلك كل يهود غرب أوربا والولايات المتحدة تقريباً.
الصهيونية الاستيطانية: ظهرت في بداية الأمر على هيئة صهيونية تسللية ثم تحوَّلت إلى صهيونية استيطانية بعد مرحلة هرتزل وبلفور. وأهم التيارات الاستيطانية التيار العمالي، ويأتي معظم الصهاينة الاستيطانيين من يهود شرق أوروبا.

وتقسيم «توطيني/ استيطاني» ينصرف إلى المجال الذي يختاره كل صهيوني ليمارس نشاطه. ولنا أن نلاحظ وجود انقسامات فرعية داخل كل تيار بشأن التوجه السياسي (اشتراكي/ رأسمالي) والموقف من التراث والهوية (ديني/ علماني). ويجب ألا نتصور أن هناك فصلاً قاطعاً بين الفريقين، فثمة تشابك وتداخُل بين الصهيونيتين (التوطينية والاستيطانية) قد يتبدَّى في الشخص الواحد نفسه، كما هو الحال مع وايزمان الذي قضى معظم حياته يقوم بنشاط في الخارج نيابة عن الداخل، ولكنه عاد بعد إعلان الدولة ليترأسها ويصبح من "المستوطنين" (وإن كان قد عاش في عزلة نظراً لأن زعيم الصهاينة الاستيطانيين بن جوريون لم يكن يرغب في أن يشاركه وايزمان السلطة). ويظهر هذا التداخل في شخصية آحاد هعام، فيلسوف الصهيونية الإثنية العلمانية، الذي قام بجهود دبلوماسية ثم استوطن فلسطين نهائياً، ولكنه مع هذا ظل يشعر بالغربة فيها وبالحنين إلى المنفى والشتات!

ويُشبِّه يوري أفنيري الصهيونية بالبيوريتانية بالإنجليزية: بيوريتانيزم Puritanism)) في أمريكا، فهي أيديولوجيا الأصول التي أدَّت إلى ظهور المجتمع الأمريكي، ولكنها ماتت ولم تَعُد لها فعالية في هذا المجتمع. ويرى الكاتب "الإسرائيلي" بوعز إفرون أن على "الإسرائيلي" في علاقته بالصهيونية أن يكون مثل الأمريكي في علاقته بالبيوريتانية. وبذا، تصبح الدوافع الأيديولوجية أو الاقتصادية التي دفعت الرواد الأوائل (الصهاينة أو البيوريتان) إلى "الاستيطان" (في فلسطين أو الولايات المتحدة) موضوعاً ذا أهمية تاريخية أو أكاديمية محضة، وليس موضوعاً أساسياً.
ويتحدث الكاتب "الإسرائيلي" أبراهام يهوشاوا عن الصهيونية بوصفها حركة إنقاذ عملية ظهرت حلاًّ للمأزق اليهودي منذ قرن (أي المسألة اليهودية في شرق أوروبا)، وهو يعتقد أن العملية قد وصلت إلى نهايتها، أي أن الصهيونية كانت ولم تَعُد.

ويضيف الدكتور المسيري إلى أنه هناك أيضاً مصطلح «الصهيونية الجغرافية» الذي ورد في رسالة بعث بها يوسف ضياء الدين الخالدي رئيس بلدية القدس إلى حاخام فرنسا الأكبر صادوق كاهن (الصديق المقرب لكلٍّ من هرتزل ونوردو) يُذكِّره بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية العثمانية ويسكنها غير اليهود، ويتنبأ بقيام حركة شعبية ضد الصهيونية فيما لو استمرت الحال على ما هي عليه، ولذا فقد نصح الصهاينة بالتخلي عن «الصهيونية الجغرافية»، أي الربط بين صهيون وفلسطين وبضرورة البحث عن أرض أو بلاد أخرى.
ولعل هذا المصطلح هو المحاولة العربية الوحيدة لسك مصطلح مستقل لوصف الظاهرة. وهو مصطلح دقيق إلى حدٍّ كبير، فهو يفصل بين الصهيونية وبين أية ديباجات دينية أو علمانية، ويبين أن المستهدف هو الأرض الفلسطينية. كما أن التركيز على عنصر الجغرافيا يبين أن عنصر التاريخ الحي قد استُبعد، ولذا فقد أشار الخالدي في خطابه إلى أن فلسطين هي بلاد اليهود "تاريخياً"، بمعنى أن جزءاً من تاريخهم مرتبط بها، ولكنه تاريخ متحفي بائد، إذ أن فلسطين أصبحت الآن جزءاً من التاريخ العربي الإسلامي. والواقع أن كلمة «جغرافية» تبين شراهة المشروع الصهيوني واستعماريته وإنكاره تاريخ المنطقة ووجود أهلها.

وفي الوقت الحاضر، فإن كلمة« صهيونية» تعني في العالم العربي "الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين الذي تَرسَّخ بدعم من الغرب". وتحمل الكلمة إيحاءات دينية لدى كثير من العرب المسلمين أو المسيحيين الذين يرون أن الصراع العربي/ الإسرائيلي صراع ديني. ولا تحمل الكلمة أي معنى ديني في بلاد العالم الثالث، ولا تشارك شعوب العالم الثالث في الديباجات الصهيونية المختلفة عن "حق" اليهود بسبب اضطهادهم في أوروبا أو عن الرابطة الأزلية بأرض الميعاد. وتحمل الكلمة تقريباً الدلالات نفسها التي تحملها في العالم العربي.
وحتى نُبيِّن مدى خلل المجال الدلالي، يمكن أن نشير إلى أن الصهيونية حركة عنصرية حسب أحد قرارات هيئة الأمم وأنها ليست كذلك حسب قرارات أخرى.
ويُلاحَظ الدكتور المسيري أن أزمة الصهيونية عبَّرت عن نفسها من خلال عدد لا ينتهي من المصطلحات، التي تناولها في باب منفرد بعنوان «أزمة الصهيونية».

وقد حاول المسيري في عمله الموسوعي تحدِّيد معنى لفظ «صهيونية» ومجاله الدلالي من خلال ما سماه «الصيغة الصهيونية الأساسية» التي تحوَّلت إلى «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» والتي تم تهويدها وأصبحت «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة اليهودية» أو «المُهوَّدة». ويمكن اشتقاق فعل من كلمة «صهيونية» فنقول «صَهْيَنَ» بالإنجليزية: زايونايز(zionize).
ويُستخدَم المصدر من هذا الفعل عادةً بشكل شبه مجازي فيُقال «صهينة يهود العالم» بمعنى أن تسيطر العقيدة الصهيونية على بعض جوانب وجودهم لا كلها، ويُقال «صهينة اليهودية» بمعنى أن الرؤية الصهيونية للكون تصبح هي القيمة الحاكمة داخل النسق الديني اليهودي. وصهينة اليهود واليهودية هي الشكل الخاص الذي تتخذه عملية علمنتها.

أخيراً يرى الدكتور المسيري أن تعريفات الصهيونية الشائعة في المعاجم الغربية تتسم بضعف مقدرتها التفسيرية. معللاً ذلك بأنه إذا كانت الصهيونية، هي حركة القومية اليهودية وعودة اليهود لأرض الأجداد (كما تقول بعض المعاجم)، فكيف نُفسِّر أن أغلبية هذا الشعب اليهودي الساحقة لا تزال تعيش في «المنفى» متمسكة به، تدافع عن حقوقها فيه؟ وكيف نُفسِّر امتلاء مخيمات اللاجئين بملايين الفلسطينيين؟ كيف نُفسِّر ما يقومون به من مقاومة؟ ولذا لا بد من طرح تعريفات جديدة أكثر تركيبية وشمولاً وتفسيرية تتجاوز كل الاعتذاريات والديباجات (الصهيونية والعربية) لنصل إلى بعض الثوابت الكامنة. ويذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى أن ثمة صيغة صهيونية أساسية شاملة تُشكل التعريف الحقيقي للصهيونية، وثمة عقد صامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، كامن في هذه الصيغة، وثمة مادة بشرية مُستهدَفة (أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين والعرب الذين يعيشون فيها).
بعد هذا التعريف الشامل والواضح للصهيونية ، سنحاول في هذا المقال تناول جذور العنف والإرهاب الصهيوني، وتعريفه ومعرفة دوافعه وأسبابه وأشكاله، كما بينها الدكتور عبد الوهاب المسيري.

عنف الصهاينة ورؤيتهم للواقع والتاريخ:

«العنف» هو «الشدة والقسوة» وهو ضد الرفق واللين، وهي من «عَنَّف» بمعنى «عامله بشدة وقسا عليه». وأحد الأشكال الأساسية «للعنف الصهيوني» هو رفض الصهاينة قبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة. ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية (غير اليهودية) المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية. والإرهاب الصهيوني إن هو إلا محاولة تستهدف فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب، ولذا يمكن القول بأن الإرهاب هو العنف المسلح (مقابل العنف الإدراكي).
والعنف النظري والإدراكي سمة عامة في الفكر العلماني الشامل الإمبريالي. والصهيونية لا تمثل أي استثناء من القاعدة، فقد نشأت في تربة أوروبا الإمبريالية التي سادت فيها الفلسفات النيتشوية والداروينية والرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتخطى الخير والشر والتي تحوسل العالم والناس بحيث يصبح الآخر مجرد أداة أو شيئاً يُستخدَم. ومع هذا يظل العنف الصهيوني ذا جذور خاصة تمنحه بعض السمات المميزة:
أهمها أن الصهيونية لم تكن حركة استعمارية وحسب وإنما هي حركة استيطانية إحلالية (أرض بلا شعب) وهو ما يعني ضرورة أن تُخلي الأرض التي سيُنفَّذ فيها المشروع الصهيوني من السكان الأصليين، ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال أقصى درجات العنف النظري والإرهاب الفعلي. ومن السمات الأساسية للأيديولوجيات العلمانية الحلولية العضوية أنها تحوي مركزها أو مرجعيتها (أو مطلقها) داخلها، ومن ثم فهي تشكل نسقاً مغلقاً ملتفاً حول نفسه يخلع القداسة على الذات ويجعلها موضع الحلول والكمون ويحجبها عن الآخرين (الذين يقعون خارج دائرة القداسة) فيهدر حقوقهم ويبيدهم، فهم ليسوا موضع الحلول.

والصهيونية وريثة الطبقة الحلولية اليهودية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) هي عقيدة علمانية حلولية تجعل اليهود شعباً عضوياً ذا علاقة عضوية خاصة بالأرض (إرتس يسرائيل) أي فلسطين، وهي علاقة تمنحهم حقوقاً مطلقة فيها، الأمر الذي يعني طَرْد السكان الأصليين الذين لا تربطهم بأرضهم رابطة عضوية حلولية مماثلة.
وقد حوَّلت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور للشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضتها جماعة يسرائيل أو العبرانيون مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب، فقاموا بطرد بعضهم وإبادة البعض الآخر. وجماعة يسرائيل يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدَّسة لأن الإله يحل فيه.

ويضيف الدكتور المسيري أن الصهيونية ورثت ميراث الجماعة الوظيفية اليهودية بفصلها الحاد بين الشعب المقدَّس والأغيار وبما يتسم به ذلك من ازدواجية في المعايير تجعل الآخر مباحاً تماماً وتجعل استخدام العنف تجاهه أمراً مقبولاً.
لكل هذا، أصبح العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلولية الوثنية مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا "الأمة اليهودية" في نشأتها جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيها "رايات اليهود مرتفعة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهودي بهما يوم السبت.
هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك "لأجدادنا الأوائل… إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء"، أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر. ولهذا لا يتردد جابوتنسكي في رفض التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود.

ويبدو أن هذا السيف المقدَّس ( رمز الذكورة والقوة والعنف) كان محط إعجاب كل الصهاينة الذين كثيراً ما عبَّروا عن إعجابهم وانبهارهم بالعسكرية البروسية الرائعة (هذا بالطبع قبل أن يهوى هذا السيف البروسي على الرقاب اليهودية في أوشفتس). وتمتلئ كتابات هرتزل بعبارات الإعجاب بهذا السيف، إذ كتب في مذكراته يشيد ببسمارك الذي أجبر الألمان على شن عدة حروب، الواحدة تلو الأخرى، وبذلك فرض عليهم الوحدة وبدأ تاريخهم الحديث كدولة موحدة. فالعنف العسكري هو وحده محرك التاريخ الحقيقي، "إن شعباً كان نائماً زمن السلم، رحب بالوحدة في ابتهاج في زمن الحرب". وبينما كان هرتزل ينظر من نافذة أحد المسئولين الألمان شاهد مجموعات من الضباط الألمان يسيرون بخطى عسكرية، فعبَّر عن انبهاره بهم في يومياته وذهب إلى أن هؤلاء هم صناع تاريخ ألمانيا: "ضباط المستقبل لألمانيا التي لا تُقهَر". بل إنهم قد يكونون أيضاً صناع التاريخ الصهيوني نفسه، إذ يشير هرتزل إلى تلك "الدولة التي تريد وضعنا تحت حمايتها".
وتَغنَّى ناحوم جولدمان أيضاً بهذه الروح العسكرية البروسية في شبابه: "ألمانيا تجسد مبدأ التقدم ونجدها واثقة من النصر. ألمانيا ستنتصر وستحكم الروح العسكرية العالم. ومن يريد أن يندم على هذه الحقيقة ويعبِّر عن حزنه فله أن يفعل، ولكن محاولة إعاقة هذه الحقيقة هي شيء من قبيل العناد وجريمة ضد عبقرية التاريخ الذي تحركه السيوف وقعقة السلاح".
وقد تبع مناحم بيجين أستاذه جابوتنسكي، وكل الصهاينة من قبله، في تأكيد أهمية السيف باعتباره محركاً للتاريخ إذ يقول: "إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليست السلام بل السيف".

وغني عن القول أن العنف الصهيوني الإدراكي يصل إلى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الإحلالي، أن يلتزموا الصمت تماماً تجاهه، فلا يذكرونه من قريب أو بعيد. أو أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبئ الحد الأقصى من العنف. فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما كان الادعاء، جرى إلى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهدَّأ الأخير من روعه وقال له إن الأمر ستتم تسويته فيما بعد. وكان هرتزل يعرف تماماً كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الإمبريالية، ونحن نعرف كيف تمت تسويتها في فلسطين. وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيراً عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.
ويُعَد هذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والواقع والتاريخ والآخر، وهو قد يعبِّر عن نفسه بطريقة مباشرة، كما بيَّنا في الاقتباسات السابقة، ولكنه قد يعبِّر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات. وما قانون "العودة الإسرائيلي" إلا ترجمة لهذا العنف حين يُعطي أيُّ يهودي في العالم حق "العودة" إلى (إسرائيل) في أي وقت شاء ويُنكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من فلسطين على دفعات منذ عام 1948، رغم أن يهود العالم لا يودون الهجرة إلى (إسرائيل) بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها. ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تحوسل كل البشر (العرب واليهود) والزمان (تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين) والمكان (فلسطين). وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهدأ إلا تعبيراً عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل إلى نهاية التاريخ: نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.

العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية:

ثمة عنف أساسي في الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. ولم يكن هناك مفر من أن يُترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع ولرفض الرؤية اليهودية الحاخامية. ولتحقيق هذا الهدف، يبين الدكتور المسيري، أنه كان حتمياً أن تُنتَج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف، وهذا ما سماه الصهاينة «تحديث الشخصية اليهودية»، أي علمنتها وجعلها قادرة على تغيير قيمها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبنِّي قيم نيتشوية وداروينية لا علاقة لها بمكارم الأخلاق أو بالمطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية.
وقد بيَّن الصهاينة أن اليهودية الحاخامية طلبت من اليهود الانتظار في صبر وأناة لعودة الماشيَّح، وألا يتدخلوا في مشيئة الإله، لأن في هذا كفراً وتجديفاً. ولكن الصهاينة، الرافضين للعقيدة اليهودية، تمردوا على هذا الموقف أو وصفوه بالسلبية ونادوا بأن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول الماشيَّح، إذ ينبغي أن يعمل اليهودي بكل ما لديه من وسائل على العودة إلى أرض الميعاد. فالمنفى بالنسبة إلى بن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري، "وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومُقتلَعة ومشرَّدة عن الأرض، وعن العمل وعن الصناعة الأساسية. واجبنا هو أن ننفصل كلياً عن هذا الاتكال، وأن نصبح أسياد قدرنا".
ويلخص بن جوريون برنامجه "الثوري" في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه في التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية: "القضية الحقيقية الآن، كما كانت في الماضي، تتركز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا. على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل إن عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية" (مثل الفانتوم والنابالم مثلا). وهذا ما يُسمَّى أيضاً في الأدبيات الصهيونية « إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة».

لكل هذا تنطلق الصهيونية من نقد نيتشوي للشخصية اليهودية في المنفى فيقول ماكس نوردو إن اليهودي، خلال ثمانية عشر قرناً من النفي، أصبح مترهل العضلات (وهذه هي إحدى الأوصاف السائدة لليهود بين أعداء اليهود). ولذلك "أقترح أن يُقلع اليهودي عن قهر جسده، وأن يعمل على تنمية قواه الجسدية وعضلاته، أسوة بذلك البطل بركوخبا، آخر تجسيد لتلك اليهودية في صلابة عودها المقاتل وحبها لقعقعة السلاح". والفكرة نفسها تَرد في كتابات جابوتنسكي الذي رفض أخلاقيات العبيد ونادى بتفضيل العقل على الفكر وأخلاق السادة على أخلاق العبيد والسيف على الكتاب حتى يظهر اليهودي الجديد المتحرر من أغلال الدين والقيم.

إن العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية. فاليهودي، في هذا التصور، يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية. وكان الكاتب الصهيوني بن هكت يشعر بسعادة في قرارة نفسه في كل مرة يقتل فيها جندياً بريطانياً لأنه، على حد قوله، كان يتحرر من مخاوفه ويُولَد من جديد، تماماً مثل شارلوت كورداي في قصيدة لجابوتنسكي بعنوان "شارلوت المسكينة". فشارلوت تتخلص من رتابة حياتها وسخافتها وتروي تَعطُّشها للعمل البطولي بأن تقوم بتسديد الضربة إلى جان مارا فترديه قتيلاً في الحمام. العنف هنا يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما يصل أحد أفرادها إلى سن الرجولة. فاليهودي حينما يقوم بهذا الفعل الذي كان يخاف منه أجداده (ذبح أحد الأغيار) يتخلص من مخاوفه، ويصبح جديراً بحمل رمز الذكورة. وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب (الثورة) الذي ألفه مناحم بيجين، والذي يقلب فيه عبارة ديكارت المعروفة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لتصبح "أنا أحارب، إذن أنا موجود". ثم يضيف: "من الدم والنار وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اغنية ياحيفا

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 7 أيلول 2009 الساعة: 09:24 ص

يا حيفا
للاستماع الى الاغنية مباشرة :

اضغط هنا للاستماع المباشر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من موسوعة ويكيبيديا… داوود محمود يعقوب 1939-1986

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 7 أيلول 2009 الساعة: 04:46 ص

النشأة والبداية 

ولد داوود يعقوب في طيرة حيفا عام 1939 وفي عام النكبة 1948 هُجر مع أهله إلى سورية وكان عمره آنذاك تسع سنوات، درس الابتدائية ونال الإعدادية من إعدادية صفد في دمشق، تابع دراسته الثانوية بعد ذلك ثم استعاض عن تحصيل العلم بمتابعته للقراءة والمطالعة فقد كان قارئا جيدا ، وامتلك مكتبة غنية بكتب الأدب والتراث والسياسة تحوي ما يفوق ستة آلاف كتاب.

26imag

كانت بداية داوود الفنية مع فرقة أنصار المسرح التي كان يديرها الفنان الراحل صبري عياد وكان ينتقل من فرقة إلى أخرى حيث عمل مع ندوة الفكر و الفن  ، وانتسب للمسرح  القومي  منذ تأسيسه واشترك كممثل في مسرحيتين "المزيفون" عام 1958  و"أبطال بلدنا" عام 1960 ، و كان من أوائل الذين ساهموا في إنشاء  إذاعة فلسطين في  دمشق ، إيماناً منه بقضية شعبه، وبضرورة إيصال صوت الشعب  الفلسطيني إلى   العالم .

814ima

وفي عام 1968 أصبح عضواً في نقابة الفنَّانين في القطر العربي السوري، كما ساهم مع عدد من رفاق درب التحرير في تأسيس اتّحاد الكتَّاب والصّحفيين الفلسطينيين، وكان له دور بارز في تأسيس الاتّحاد العام للفنَّانين الفلسطينيين، وقد انتُخب في دورته الأولى أميناً عاماً، و ذلك عام 1970.

كما خاض داوود يعقوب غمار تجربة هي الأولى من نوعها في الشَّتات الفلسطيني، حيث ساهم مع عدد من الفنَّانين الفلسطينيين في تأسيس المسرح الوطني الفلسطيني، ومما يذكره الشاعر الأستاذ خالد أبو خالد عن تلك المرحلة: " لقد كان داوود يعقوب صاحب وجهة نظر في تأسيس اتِّحادنا العام للكتَّاب والصَّحفيين الفلسطينيين… وواحداً من المبادرين للمشاركة في تأسيسه من موقعه المؤثِّر في قاعدة شعبنا الفلسطيني".

في عام 1963 التحق داوود يعقوب في العمل في حقل الإعلام وكانت البداية كمذيع في إذاعة "صوت فلسطين" من دمشق ، بعدها انتقل للعمل في شعبة المذيعين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، وما هي إلا سنوات حتى أصبح " كبير المذيعين" في دمشق ، وفي هذه الفترة بدءا العمل في قسم الدراما ليشارك زملاؤه بالعمل كممثل ومعد للبرامج الثقافية والأدبية وكاتبا للأعمال الدرامية الإذاعية ، و مخرجاً إذاعياً ، واستحق عن جدارة أن يعدَّ منذ منتصف سبعينات القرن الماضي كواحد من كبار المخرجين الإذاعيين…

الانشطة

تميز داوود يعقوب بقدرات فنية متعددة بدءا من إذاعة البرامج ونشرات الأخبار وانتهاءً بالكتابة، كما تميز بقدرته الفذة على العمل كمذيع في الاحتفالات الوطنية والمناسبات القومية، وبهذا فقد استحق لقب "الإذاعي الشامل".

164ima

وقد كان داوود حاذقا في عمله وعطائه خاصة إبان حرب تشرين التحررية التي كان فخورا بها لأنها كانت حلمه دائما وكان فخورا بالسواعد العربية التي اتحدت يوم تشرين التحرير وانطلقت تقاتل تحت راية واحدة. وبعد الحرب بدأ يفكر ويعمل ويكتب، و كانت باكورة أعماله تتحدث عن تلك الحرب ( حرب تشرين ) وهي رواية " أزهار معطرة بالدم " للدكتور عبد السلام العجيلي حيث قام داوود بإعدادها وإخراجها عام 1978.

261ima

 

 الشهرة

ولأن أبا يزن وهو اللقب الذي اشتهر به كان حاضر الذهن اعتبر بحق ومن خلال صوته المميز واحدا من رجال الكلمة القلائل الذين تركوا بصماتهم واضحة في كل استوديوهات الإذاعة والتلفزيون السورية والعربية.

فقد كان داوود يعقوب عربي القلم والشخصية بكل ما في هذه الكلمة من عزة و كرامة ورجولة وكان وفيا لأصدقائه وزملائه في حياتهم وبعد مماتهم من ذلك ما قاله في رثاء الإذاعي الراحل عادل خياطة " أيها الراحل الحبيب… يوم عرفتك أول مرة كنت بالنسبة لي صوتا يشدني إليه يسحرني ويوم أتيح لي أن أزاملك كان طوقي للتعرف على تجربتك طوقا غير محدود، ما أخذت بيدي إلى "الميكرفون" يومها عرفت أنك لست صوتا فحسب، بل إنسان يحمل في أعماقه قدرات هائلة، يشحن صوته بكل ما في أعماقه من عواطف متنازعة، والمخرج المتمكن من فنه و عمله فكرة وحسه وفنه أيهما كان أكبر… طموحك أم إمكاناتك وفاء لك في يوم رحيلك أقول: كانا متساويين، ولكن اليأس كان حاجزا بينهما وليس من السهل أن نبحث اليوم عن أسباب اليأس ودوافعه لأن في أعماق الفنان رغبات ونزعات لا يمكن استكشافها والتعرف إليها إلا من خلال العطاء ومن خلال عطاءك كان الخوف من الموت يشدك إليه فكنت تهرب منه إليه كنت في الطريق المؤلم القاسي تحمل آلامك وطموحك عاجزا عن خلق التجاوز بين ما يمكن وما تريد، ويوم بدأت الآلام تستقر في جسدك كنت تتجاهلها تصر على أنها عوارض تقف في وجه مسيرتك وتدفقك وطوقك إلى الحياة، ويوم كنت تعجز عن مواجهة هذه الآلام كان الصمت يلازمك، كنت تكف عن الحديث مع الآخرين، يقف بينك وبينهم حاجز يدفع الكثيرين من الذين لم يعرفوك حقا يتساءلون لماذا يتجاهلنا لم يكن الكثيرون يعرفون أن ما في أعماقك عندما يطفو على السطح يرتفع يثور ويتمرد..، كنت لا ترى إلا ما في أعماقك منتشي معها وظللت تعيش معها حتى رحلت ورحلت معك، رحلت وتركتنا هنا مع آثارك مع صوتك الذي كان الطريق لمعرفة الملايين بك وحبهم إليك هذا الحب الذي كان يتصف أحيانا بالقسوة خوفا عليك وبالود والرفق والحنان لطفولتك التي كبرت ولم تكبر معك ظلت براءة في عينيك في علاقاتك في رؤيتك للحياة ".

368ima

 الانتماء

ورغم أنَّ مطلع الخمسينات شهد بداية ونُشُوء الأحزاب والحركات الوطنية، مثل حركة القوميِّيْن العرب، وحزب البعث إلى جانب الأحزاب الشيوعية الموجودة أصلاً وغيرهم، فقد كان لداوود رأي مُغاير، أنَّ الانتماء لفلسطين أكبر وأهمُّ من الانتماء للأحزاب، وخدمة القضيَّة أوسع والإنسان مُتحرِّر من الفئويَّة الحزبيَّة.

لكنَّ هذا لم يمنع داوود الشَّاب من أنْ يُمارس دوره وقناعاته في فعاليَّات وطنيَّة مُتنوِّعة كانت تُقيمها الأحزاب، والحركات الوطنيَّة، منها على سبيل المثال الفعاليَّات الَّتي تُقيمها الهيئة العربيَّة العُليا لفلسطين، برئاسة الحاج أمين الحسيني.

ففي العدد (51) الصَّادر أوَّل أيَّار (مايو) عام 1965، من نشرة فلسطين الدَّوريَّة، الَّتي تُصدرها الهيئة، وإحياءً لذكرى شهداء فلسطين، كان أحد خُطباء المهرجان إلى جانب العديد من الزُّعَماء والشَّخصيَّات السِّياسيَّة من فلسطين وسُورية أمثال، القاضي فيصل العظمة، والمُعلِّم أحمد اللوباني، والمُجاهد صبري البديوي، والشَّاعر عبد الهادي كامل، والأُستاذ زياد الخطيب مُمثِّل الهيئة في سُورية.

238ima

وفي كلمته آنذاك، والَّتي ارتجلها، وهو يتدفَّق حماساً تعبيراً عن أبناء جيله من الشَّباب؛ حيثُ قال: " لو أنَّ الله سُبحانه وتعالى جعل هذه القُوَّة الَّتي بألسنتنا، في سواعدنا، لكُنَّا الآن في الوطن المُغتصب أعزَّة كراماً، ولكُنَّا أقمنا هذا الاحتفال في القسطل". أي في المدينة الَّتي استشهد فيها دفاعاً عن فلسطين ، القائد العربي الفلسطيني المُجاهد عبد القادر الحسيني ، قائد  ثورة عام 1948.

الاسهامات

ولقد تجلَّى في إسهاماته في المُنتديات الأدبيَّة والثَّقافيَّة مُحاوراً ومُجادلاً، وصاحب رأي ووجهة نظر، فقد انتسب إلى ندوة

الفكر والفنِّ، وأصبح عُضواً رئيسيَّاً فيها، وعُمره لا يتجاوز العشرين عاماً.

فقد وصفه الكاتب سمير المصري  ذات مرَّة، قائلاً: "كُنتَ تخاله في مطلع السِّتِّينات، بأنَّه أقوى من كُلِّ العراقيل. وهو يبدأ رحلة الكفاح مع إثبات الوُجُود، فقد كان يعمل في كافَّة المجالات الفنِّيَّة والأدبيَّة والصَّحافيَّة بذات الوقت، وهُو بدأ هاوياً للتَّمثيل في النَّوادي الدِّمشقيَّة، وكان، في ذات الوقت، يكتب في العديد من الصُّحُف، زوايا في النَّقد الأدبي والمسرحي الفنِّي". 

75imag

وكَتَبَت عنه الكاتبة العربيَّة السُّوريَّة الكبيرة كوليت الخوري، في العدد 507 من مجلَّة "المُستقبل"… وفي صفحة أسمتها: صفحة لي… وتحت عُنوان "مع صديق":" بلى… إنِّي أعرف كُلَّ أجزاء هذا الوطن، توحَّدت في قلبك الكبير، أنت الفلسطيني المُؤمن، بل أنت الفلسطيني… السُّوري المُؤمن بالوطن الكبير، وأعود سريعاً إلى ذكرياتي معك، فأنا أعرفك مُنذُ زمن بعيد، من ندوة الفكر والفنِّ في دمشق، وكنت أتردَّد عليكم بين الحين والحين، ثُمَّ المسرح القومي، ثُمَّ الإذاعة والإعلام، فقد كُنَّا نجتمع دائماً. نحن الَّذين كُنَّا في مطلع شبابنا، براعم تشقُّ طريقها في دُنيا الأدب والفنِّ والصَّحافة، وأنت تطمح في أنْ تسهم في بناء الوطن من جديد وعلى الشَّكل الأحسن".

 قالوا فيه

وقد ترك الفقيد تأثيراً كبيراً لدى مَنْ عرفوه، ولتأكيد ذلك نسوق مثلاً من شهادة كَتَبَها الشَّاعر الفلسطيني أحمد دحبور، في بداية مشواره الشِّعري والأدبي، وتَشكُّل وعيه السِّياسي، ولو بجوانب بسيطة كما تبدو، فَتَحْتَ عُنوان " أبو يزن (داوود)… أبكى الأُمَّة مرَّتَيْن، وأبكاني ثلاثاً" قال: عام 1964، وكان لي من العُمر ثمانية عشر عاماً، التقيت أبا يزن لأوَّل مرَّة، كنتُ فرحاً، كطفل فاجأه أبوه الفقير بهديَّة العيد، وأنا أحمل مجموعتي الشِّعرية "البكر" " الضَّواري وعُيُون الأطفال"، وكُنتُ أبحث عن الشَّاعر، كمال ناصر، لأُقدِّم له نسخة منها، فقيل لي: إنَّه في إذاعة دمشق. وعلى باب الإذاعة، كنتُ أتلعثم بخطواتي وكلماتي، حين فاجأتني الحراسات هناك بأنَّ دُخُول الإذاعة ممنوع، وليس سهلاً، وإذا بشاب طويل القامة، يضع يده على كتفي ويسألني: فلسطيني؟ نعم فلسطيني… وبكلمة منه أدخلُ الإذاعة بصُحبته، وما أنْ يدخل مكتبه حتَّى يطلب لي قهوة، ويسألني مُدعباً ما إذا كنت "ابن" أحمد دحبور، صاحب المجموعة الَّتي أحملها، وبعد أنْ أقسمت أمامه بكُلِّ براءة أنَّني أحمد دحبور شخصيَّاً، يضحك، ويُسكِّن من روعي ويُقدِّم لي نفسه: داوود يعقوب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نشيد فدائي… لتبقى ثورة حتى تحرير كل فلسطين

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 6 أيلول 2009 الساعة: 03:40 ص

نشيد فدائي

فدائي فدائي فدائي يا أرضي يا أرض الجدود
فدائي فدائي فدائي يا شعبي يا شعب الخلود

بعزمي وناري وبركان ثاري

وأشواق دمي لأرضي وداري

صعدت الجبال وخضت النضال
قهرت المحال حطمت القيود

فدائي فدائي فدائي يا أرضي يا أرض الجدود

بعصف الرياح ونار السلاح

وإصرار شعبي لخوض الكفاح

فلسطين داري فلسطين ناري
فلسطين ثاري وأرض الصمود

فدائي فدائي فدائي يا أرضي يا أرض الج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صدر له: الإعلامي و الفنان الفلسطيني داوود يعقوب .. فارس يواصل الرحيل

كتبها أوس داوود يعقوب ، في 5 أيلول 2009 الساعة: 17:26 م

في ذكرى رحيله العشرين  الإعلامي و الفنان الفلسطيني

 

داوود يعقوب .. فارس يواصل الرحيل

   أعده للنشر : أوس داوود يعقوب قدم له: يوسف سامي اليوسف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn